مقالات ليتورجيّة

الكاتب:

الأب الدّكتور بيتر مدروس

المصدر:

موقع أبونا

التّاريخ:

الأحد 19 أيلول 2010

الأحد الخامس والعشرون للسنة جـ: وكيل خائن ولكن حذق
الأب الدّكتور بيتر مدروس
الأب الدّكتور بيتر مدروس

يسرد الرب يسوع مثلاً غير بعيد عن الواقع! وكيل خائن يطرده بصواب سيّده. يدبّر أموره بتخفيف ديون مديني سيّده طبعا على حساب السيد، وفي ذلك سوء استخدام أخير لصلاحياته. وهكذا يجعل لنفسه أصدقاء على حساب سيّده ويضمن لنفسه مستقبلا أقلّ شقاء!.

يمدح السيد المسيح لا خيانة هذا الوكيل الظالم غير النزيه بل حذقه ومكره وبعد نظره. ويشكو الرب يسوع قلّة الذكاء وعدم المهارة عند أبناء النور أحياناً. مبدئياً على أهل النور أن يكونوا أكثر حكمة وحذقاً ومهارة من قوم الظلمة والظلم.

لا يخلو هذا المثل السيدي من صعوبة ولكنّه "درس" حيث لا يجوز أن نأخذ كل العناصر حرفياً. في اللهجة اللبنانية "الدرس" هو "متيله" أو "متيلي"، واللفظة تقابل كلمة "ماشال" الكنعانية العبرية و"مَثَل" في لسان الضاد. الدرس يستند الى ما هو "مِثل" أي الشبه. يعلّم المعلّمون ويتتلمذ التلاميذ عن طريق "أمثال" أي تشابيه. وفعلاً يردّد السيد المسيح من غير ملل: "يُشبه ملكوت السماوات..." (متّى 13: 1 وتابع).

كتب الاب دنوني بوزي أن في الامثال عناصر غريبة غير طبيعية يجب ألاّ تصدمنا بما أن الحديث لا يستدعي الدقة التاريخية بل مرتب في سبيل عبرة أو فكرة. وأعلن قدماء الرومان: "كل تشبيه أعرج". في مَثَلنا هذا عن وكيل الظلم هو توهّمه، على مكره وحذقه، أن مديني سيّده الذين خفف ديونهم سيكونون له من الشاكرين وبأفضاله معترفين. بهذا يبرهن وكيلنا الخائن أن عنده سذاجة شبه "مسيحية" أو "كاثوليكية". يمكن أن يفرض المرء عرفان الجميل عند مدينيَين أو ثلاثة وهي نسبة أعلى مرتين أو ثلاثا من تلك التي حظي بها يسوع نفسه الذي "طهّر" عشرة برص ولم يرجع لشكره الاّ واحد ، وكان سامريا لزيادة الطين بلّة.

نشكو نحن أيضاً إخفاقنا نحن المؤمنين في العديد من الميادين ومنها المدارس ووسائل الاعلام والمجتمعات، في حين تنجرف جماهير وراء "أبناء ظلام" يفلحون حيث نخفق نحن! مثلاً، في شأن الكتاب المقدس بشكل عام، يتوهم ملايين من الناس حتى أيامنا أن لا علاقة للكنيسة به وأن الكنيسة لا كفاية لها في الكتاب المقدس ولا إلمام ولا فضل في نشره ولا فهم في تفسيره بل أن "اختصاصها" الطقوس والقوانين والتحكم الاكليروس، ومن صفاتها الفضائح والانتهاكات!.

يسوع هو حكمة الله حتى وهو معلّق على الصليب (قورنثوس الاولى 1: 17 وتابع). يسوع ليس فقط "أجمل بني البشر" (مزمور 45 (44): 3 ) ، بل هو أذكاهم وأكثرهم حذقاً، هو تجسد كلمة الله الذي هو عقل (يوحنا 1: 1).

لماذا نخلو نحن المؤمنين مراراً من الالمام والكفاية والفعلية والنجاح؟ لاننا من جماعة "المستريحين" النائمين ومثالنا رسل المسيح الثلاثة في بستان الزيتون، ونحن على يقين من انتصار يسوع في النهاية، نمنا أم صحونا! لا نعمل شيئاً للدفاع عن الكنيسة ونحن "نركن" الى وعد السيد المسيح ونبوّته إلى البابا الاول بطرس: "أبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متّى 16: 18 وتابع). فلماذا التعب والصراع وقد "غلب المسيح العالم"؟

يجب أن ينصف المرء المؤمنين النزهاء الشرفاء، والحق يقال، بالإقرار أنهم بالاخلاقيات وسامي المبادىء مرتبطون ملتزمون بحيث لا تسمح لهم ضمائرهم الحية بأن يحاكوا وكيل الظلم وأشباهه المكيافيليين الذين لا ذمّة لهم أو أصحاب الضمائر المطّاطة الذين لا يترددون أمام أية وسيلة وإن كانت غير شريفة وشعارهم "الغاية تبرر الوسيلة"!.

نبّهنا الرب يسوع: "ها أنا أرسلكم مثل خراف بين ذئاب، فكونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام" (متّى 10: 16).

عدد القراءات: 4162