مقالات ليتورجيّة

المصدر:

موقع بلدة القبيّات الإلكتروني

التّاريخ:

الأحد 19 أيلول 2010

نشرة الأحد الأول بعد عيد الصليب
الصّليب شجرة الحياة
الصّليب شجرة الحياة


• إنّه الأحد الأول بعد عيد الصليب ومعه يبدأ تبلور معنى الصليب وحمل الصليب في المسيحيّة...
• بانتِظار الآتي « بِمَجْدٍ عَظيم لِيَدينَ الأحْياءَ وَ الأمْوات »، يَبقى دَوْرُ المَسيحي أن يَحْيا عَلامَةً مَلْموسَةً لله الذي لا يُرى . نَعَمْ، نَحْنُ شُهود. وَ إنْ تَساءَلْنا : كَيْفَ يَكونُ ذلِك ؟؟ يُجيبُنا الإنجيل، وَ ببساطَةٍ كُلِّيَّة : كونوا خُدَّاماً بَعْضُكُم لِبَعْض، وَ ﭐحْمِلوا الصَّليب .
• في عالَمٍ يَسْعى فيهِ الجَميع لأنْ يَخْدُمَهُم الجَميع ، في عالَمٍ يَبْغي الطَّريق السَّهْلِ وَ يَهْرُبُ مِنْ طَريقِ الصَّليب الصَّعب - طَريق الحُبّ – يُجَدِّدُ يَسوع دَعْوَتَهُ لَنا : «بِعْ كُلّ ما لَكَ، وَ أعْطِ الفُقَراء، وَ ﭐحْمِل صَليبَكَ وَ ﭐتْبَعْني »... وكذلك مار بولس في رسالة هذا الأحد...
إتبَعْني في طَريقِ خِدْمَةِ الإخوَة. إتبَعْني في طَريق الخِدمَة الكامِلَة. إتبَعْني في طَريق تتميمِ الخَير . إتبَعْني في طَريق الصَّليب . وَ كُن على ثِقَة بِأنَّ مَـنْ يَظُـنُّونَ أنْفُسَهُم أوائِل هُمُ الأواخِر، لأنَّ الآخِرونَ يَصيرونَ أوَّلين. وَ الرَّبُّ العالِمُ بِأعْمالِكَ وَ مَحَبَّتِكَ وَ إيْمانِكَ وَ خِدْمَتِكَ وَ ثَباتِكَ هوَ أمين، وَ هوَ يُجازي بِحَسَـبِ مَحَبَّتِهِ . نَعَم... إنَّهُ ﭐنْتِظارٌ صَعب... لَكِنْ مَنْ يَصبِر إلى النِّهايَة، مَعَ الرَّبِّ، يَخْلُص...

::: صلاة :::

نَدخُلُ لِنُصَلِّي فَنَقول: "أبانا الذي في السَّماوات،... لِيَأتي مَلَكوتك، لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ...".
ونَسْتَطْرِدُ في صَلاتنا: "يا مُعَلِّم، أُريدُ أنْ تُلَبِّي طَلَباتي".
أعْطِنا يا رَب، أن نُحَوِّلَ خِطابَنا وَذَواتِنا، فَلا نَلْتَمِس رِئاسَةً أوْ تَسَلُّطاً، بَلْ نَكونَ لِمَحَبَّتِكَ خُدَّاماً وَشُهوداً. أعْطِنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ مَشيئَتَكَ هيَ لِصالِحِنا. عَلِّمنا ألاَّ نَطْلُبَ مِنْكَ ما نُريد، بَل أنْ نَطْلُبَ مَشيئَتَكَ فَحَسْب، فَأنتَ تُعْطينا دائِماً ما يَلْزَمُنا...، آمين.

::: الرسالة :::

1 وأَنْتَ، يا ابْنِي، تَشَدَّدْ بِالنِّعْمَةِ الَّتي في الـمَسِيحِ يَسُوع.
2 ومَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِحُضُورِ شُهُودٍ كَثِيرِين، إِسْتَودِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاء، جَدِيرِينَ هُم أَيْضًا بِأَنْ يُعَلِّمُوا غَيْرَهُم.
3 شَارِكْنِي في احْتِمَالِ الـمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِلمَسِيحِ يَسُوع.
4 ومَا مِنْ جُنْدِيٍّ يَنْهَمِكُ في الأُمُورِ الـمَعِيشِيَّة، إِذا أَرادَ أَنْ يرْضِيَ مَنْ جَنَّدَهُ.
5 ومَنْ يُصَارِعُ لا يَنَالُ إِكْلِيلاً إِلاَّ إِذا صَارَعَ بِحَسَبِ الأُصُول.
6 والـحَارِثُ الَّذي يَتْعَبُ لَهُ الـحَقُّ بالنَّصِيبِ الأَوَّلِ مِنَ الثَّمَر.
7 تأَمَّلْ في مَا أَقُول: والرَّبُّ سَيُعْطِيكَ فَهْمًا في كُلِّ شَيْء!
8 تَذَكَّرْ يَسُوعَ الـمَسِيحَ الَّذي قَامَ مِنْ بَينِ الأَمْوَات، وهُوَ مِنْ نَسْلِ دَاوُد، بِحَسَبِ إِنْجِيلِي،
9 الَّذي فِيهِ أَحْتَمِلُ الـمَشَقَّاتِ حَتَّى القُيُودَ كَمُجْرِم، لـكِنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا تُقَيَّد.
10 لِذـلِكَ أَصْبِرُ على كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ الـمُخْتَارِين، لِيَحْصَلُوا هُم أَيْضًا على الـخَلاصِ في الـمَسِيحِ يَسُوعَ مَعَ الـمَجْدِ الأَبَدِيّ.
(2 طيم 2 /1-10)

::: حول الرسالة :::

وأنتَ يا ٱبني ...
في الرّسالَتَين الأولى والثّانية الّتَين كَتَبَهُما بولُس الرّسول إلى تِلميذِهِ، يُمكِن أن نُلاحِظ كَم يُكَرِّر هذه العِبارة، لِيُشَدِّد على البُنُوَّة الرُّوحِيَّة التي تربطه بِطيموثاوس؛ وبِهذه الدّالّة الأبَوِيّة، يُكَلِّم بولُس تلميذهُ، ويُوصيهِ بِما عَلَيْهِ فِعله بِشَأنِ رِعاية الكَنيسة التي أوكَلَها إلَيْه، وَوَضَعَ على كاهِلَيْهِ هَمّها. هذا الهَمّ لطالما حَمَلَهُ بولس، ولطالما كانَ صَليب البِشارة حِملاً ثَقيلاً على كاهِلِ رَسول الأمم، حَتّى إنّهُ بَدَأ يُظهِر مِن خِلالِ كلامِهِ المُوَجّه لِطيموثاوس، كَم قاسَى وَعانى في سبيل نَشر الكَلِمَة. واستِنادًا على احتِمال يَسوع المَسيح –الشّهيد الأوّل- الآلامَ مَصلوبًا من أجلِ خلاص البشر، حَمَلَ أيْضًا بولس الرّسول الصّليب، وَلَم يَعِدْ طيموثاوس تلميذه إلاَّ بالآلام الآيِلَة إلى المَجد السّماوي، إذا ما أرادَ إيْصال الكَلِمَة التي أودَعَها الرّب يَسوع، الذّبيح القائِم من المَوت، لِتَلاميذه الرّسُل الأطهار، وبولس نفسه منهم. فالمُعادَلَة التي وضعها بولس الرّسول أمام تِلميذه واضِحَة: مَن أرادَ أنْ يوصِل الكَلِمَة بِأمانة، كَما تَسَلَّمَها، عَلَيْهِ أنْ يُعطِي المَثَل الصّالِح بِحَمْلِ صليب الألم على مِثالِ المُعَلِّم:
1- الأمانة: إنّ بولس الرّسول هُوَ الوَحيد بين الرُّسُل الذي لم يَعْرِف يَسوع المسيح قبلَ ارْتِفاعِهِ بالمَجد. فهو الْتَقَى بِهِ عِندَما ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَهوَ في طَريقِهِ إلى دِمَشق لِيُقَيِّد المَسيحيين وَيَضطَهِدهُم. وقَد رَأى وَسَمِعَ كَيفَ أنّ الصّليب الذي يَحمِلهُ المَسيحيّون جَرّاء الإضطِهاد، هُوَ نَفْسُهُ صَليب يَسوع ("شاول، شاول، لِماذا تَضطَهِدُني؟"أع9: 4)، وأنّ يَسوع، كَما تَألّمَ قَبْلَ قِيامَتِهِ وَصُعودِهِ إلى السّماء، يَتَألَّمُ لاضطِهادِ كُلّ مَسيحي حَمَلَ بِأمانَةٍ الرّسالة الخلاصِيّة التي أتى بِها مِن عِندِ الآب، مُعَلِّمًا إيّاها بِمَثَل الصّليب. بِهذا المَنطِق، تَسَلَّمَ بولُس الرِّسالة، وَعَمِلَ جاهِدًا على إيْصالِها لِكُلِّ الشُّعوب، وَهذا ما نراه في كِتاب أعمال الرُّسُل. وَلأنّهُ كانَ أمينًا، نَعْلَمُ تَمامًا كَم اضطُهِد، كَم طُرِدَ مِنَ المُدُن والمَجامِع، كَمْ جُلِدَ، كَم سُجِن... فهوَ يَتَكَلَّم مَعَ طيموثاوس بِمَنطِق مَنِ ٱختَبَر وعاشَ الرِّسالة وأتعابها ومخاطِرها حَتّى النّهاية. لِذلِكَ يوصي بولس تِلميذه بِتَسْليم ما تَسَلَّمَهُ مِنهُ بِكُلِّ أمانة إلى أُمَناء، وذلك لإيْصال بُشرَى الخَلاص لِكُلّ النّاس، على مَرّ الأجيال، لِكَي يَكونَ لَهُم الفَرَح في المَجد الأبديّ.
2- الآلام: يُوضِح بولس في هذا المَقطَع من الرّسالة أنّ الآلام التي يَطلُبُ مِن طيموثاوس تَحَمّلها ليست فَريدَة من نَوعِها، ولا إستِثنائِيّة! إنّ طَلَب بولس الرّسول واضِح: "شارِك في احتِمال الآلام". هُناكَ مُتَألِّمين كَثيرين، هُناكَ يَسوع الذي تَألّمَ وَقام، وَيَتَألّم مَع كُلّ مُضطَهَد، هُناكَ بولس نفسه، الذي لم يُؤمِن إلاّ بالمَسيح مَصلوبًا، فاحتَمَلَ آلامًا مُبَرِّحَة، هُناكَ جَماعَة الرُّسُل وَجَماعات مَسيحيّة كَثيرة كانت في ذلك الحين تَتَألَّمُ تحت الإضطِهادِ والأخطار... لِذلِكَ يَسْتَعْمِل بولُس صُوَرًا مِلؤُها العَطاء وَالبَذل، لِيُقَرِّبَ مِنْ ذِهنْ تِلْميذِهِ ما عَلَيْهِ أنْ يَفْعَل:
- الجندي: يَتَمَيَّز الجُندي الصّالِح بالوَفاءِ لِمَن لَهُ تَجَنَّدَ. فَلا يُزيحُ طَرْفَهُ عَنه مهما كانت الظُّروف؛ فالتّجَنُّد بالنِّسبَةِ لَهُ لَيْسَ وَظيفَة يَلقَى أجْرَها، بَل التِزامًا بِقَضِيَّة جَماعَة أُوْكِلَ لَهُ الحِفاظ على كرامَتِها وَاسْتِقلالِها.
- المصارع: هُوَ الذي يُصارِع لِمُتعَة الجُمهور في أيّامِ بولُس، وهوَ يَختَلِف بِعَمَلِهِ عَن مَفهوم المُصارِع في أيّامِنا. ففي أيّام إنحِطاط الإمبراطوريّة الرُّومانِيَّة بُنِيَت المَسارِح لإقامَة الإستِعراضات وإلهاء النّاس. فكانوا يَرمون العبيد والمساجين لِيَتَقاتَلوا، أو يُقاتِلوا حَيَوانًا مُفتَرِسًا، باستِماتَة أمام النّاس، لِكَي يَسْتَمْتِع الجَميع بِمَشهَد الدّم. بِهذا، يَكون عَمَل المُصارِع مَسألَة كَرامَة شَخصِيّة. فإذا هُزِم أصْبَحَت حياته رَهن حماس الجُمهور الهِستيري، وَإذا صارَعَ حَسَب الأصول وَرَبِحَ، أصْبَحَت حياته مُلكُه، وَيَتَحَرَّر من أسْرِهِ أو من عُبودِيَّتِهِ، لِيُكَلَّل بالغار.
- الزّارِع: هُوَ الذي يَتعَب وَيَتَألَّم لِحِفظِ كرامة الجماعة وكرامته الشّخصِيّة: يَجمَع بِتَعَبِهِ تَعَب الجندي والمُصارِع. فهوَ يَتَجَنَّد للعَمَل مِن أجْلِ إطعام الجَماعَة، وَيَقوم بِعَمَلِهِ حَسَب الأصول لِتُعطي الأرض ثَمَرَها الجَيّد الذي يَقيه الفقر. فهوَ الذي يَنعَمُ أوّلاً بالغَلّة إذا كانَ مَجهوده في مكانه.
وَلَكِنَّ كلام بولس الرّسول هُوَ عُملة ذات وَجْهَين: هُوَ يُرَكِّز في أمثِلَتِهِ الثّلاثة على المُشارَكَة في الآلام، وَبَذْلِ الجَهد المَطلوب للوصول إلى الثّمار التي هِيَ إيْصال البِشارة ووديعة الإيمان إلى الجَميع، ولكن، نرى أنّ كُلّ ألَم يَليه فَرَحٌ وَانتِصار. هذا ما يَجِب على التّلميذ طيموثاوس فهمه. لذلك، يوصي بولس تِلميذه بألاَّ يُزيح طَرْفَهُ عَن يَسوع المَلِك (مِن نَسْلِ داود) المَصلوب والقائِم من المَوت. هذا هُوَ مَوضوع البُشرَى التي قاسَى بولس من أجلِها آلام القُيود الجَسَدي، لِيَعيشَ حُريّة النّفس، لأنَّ كلام الله لا يُقَيِّد.
ونحن:
إلى أيّ حَدّ نحنُ أُمَناء للكَلِمَة التي تعاقب آباؤُنا على حَملِها؟
هَل نَشْعُر بِواجِب حَملها لمَن حَولنا ولأولادنا؟
إلى أيّ مَدَى نَجِد أنفُسَنا مَسؤولين عَن كُلّ ما يَجري بين الشّبيبة من أعمال لا تَمُتّ إلى الكَلِمَة التي نَقَلَها آباؤُنا إلَيْنا بِصِلَة؟ ألا نَشعُر كَأهْل أنّ كُلّ ما يَجري من تراجُع على كافّة المُستَوَيات بينَ أولادِنا هُوَ نَقصٌ في حِفاظِنا على الأمانة التي عَلَيْنا نَقلها إلَيْهِم؟
إنّ حَمل الكَلِمَة بِأمانة، ليس بالأمر السّهل! هُناكَ ظُروف كَثيرة يُمكِن أن تَمنَعُنا من ذلك! كَيفَ نَتَصَرّف حِيالَ العَوائِق؟
- هَل نَعتَبِرها مسألة كَرامَة جَماعِيَّة، فَنُدرِك أنَّ هذه الكَلِمَة نُعطيها للأشخاص الذينَ يوكِل إلَيْنا الله تَربِيَتَهُم، فَنَتَجَنَّد للمَسيح، عامِلينَ كالجُنود في خِدمَة كَلِمَتِهِ؟
- هَل نَعتَبِرها أيْضًا مَسألَة كَرامَة شَخصِيَّة، فَنَعْلَمُ أنَّ كَلِمَةَ الله لا تُقَيِّد، فَنَتَسَلَّح بِها، وَنُصارِع العَوائِق التي تَمنَعُ عَنَّ الحُريّة حَسَب الأصول، لِنَفوز بإكليل المَجد؟
- هَل نُعطي من وقتنا وجُهدِنا وتَعَبِنا من أجلِ زَرعِ الكَلِمَة وَإنمائِها في قُلوبِ مَنْ حَوْلِنا؟
ما يَمنَعُما عَن كُلّ ذلك هُوَ في غالِبِ الأحيان، الخَوف من نظرة الآخر، من إدانَتِهِ، مِن اضطِهادِه... هَلاَّ نَظَرنا إلى صَليب المَسيح الذي تَحَوَّلَ مِنْ علامَةِ ألم وَعَار إلى علامَةِ فَرَحٍ وَانتِصار، فَنَزَعْنا الخَجَلَ وَالخَوف، لِنَصيرَ شُهودَ حَقيقيّين للكَلِمَة؟

::: الإنجيل :::

35 ودَنَا مِنْهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، ابْنَا زَبَدَى ، وقَالا لَهُ: "يَا مُعَلِّم، نُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ لَنَا كُلَّ ما نَسْأَلُكَ".
36 فقَالَ لَهُمَا: "مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَصْنَعَ لَكُمَا؟".
37 قالا لَهُ: "أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ في مَجْدِكَ، واحِدٌ عَن يَمِينِكَ، ووَاحِدٌ عَنْ يَسَارِكَ".
38 فقَالَ لَهُمَا يَسُوع: "إِنَّكُمَا لا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَان: هَلْ تَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الكَأْسَ الَّتي أَشْرَبُها أَنَا؟ أَو أَنْ تَتَعَمَّدَا بِالـمَعْمُودِيَّةِ الَّتي أَتَعَمَّدُ بِهَا أَنَا؟".
39 قالا لَهُ: "نَسْتَطِيع". فَقَالَ لَهُمَا يَسُوع: "أَلْكَأْسُ الَّتي أَنَا أَشْرَبُها سَتَشْرَبَانِها، والـمَعْمُودِيَّةُ الَّتي أَنَا أَتَعَمَّدُ بِهَا ستَتَعَمَّدَانِ بِهَا.
40 أَمَّا الـجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي أَوْ عَنْ يَسَارِي، فلَيْسَ لِي أَنْ أَمْنَحَهُ إِلاَّ لِلَّذينَ أُعِدَّ لَهُم".
41 ولَمَّا سَمِعَ العَشَرَةُ الآخَرُون، بَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا.
42 فدَعَاهُم يَسُوعُ إِلَيْهِ وقَالَ لَهُم: "تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذينَ يُعْتَبَرُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُم، وَعُظَمَاءَهُم يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِم.
43 أَمَّا أَنْتُم فلَيْسَ الأَمْرُ بَيْنَكُم هـكَذا، بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُم عَظِيمًا، فلْيَكُنْ لَكُم خَادِمًا.
44 ومَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الأَوَّلَ بيْنَكُم، فَلْيَكُنْ عَبْدًا لِلْجَمِيع؛
45 لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَم، بَلْ لِيَخْدُم، ويَبْذُلَ نَفْسَهُ فِداءً عَنْ كَثِيرين".
(مر 10/ 35-45)

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

بعدَما أنْبَأ يَسوع للمَرَّة الثّالِثَة بِمَوْتِهِ وَقِيامَتِهِ أتَى إلَيْهِ يَعقوب وَيوحَنّا، وَقَدْ سَمِعاهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ المَجْد الذي سَيَكون له بعد الآلام، يَطلُبانِ مِنهُ أن يكونا بِجانِبِهِ، خاصّةً وَأنَّهُما كانا يَعتَقِدانِ أنَّ يَسوع سَيُحَقِّق طُموحَهُما: مُلكٌ قَوِيّ، يَكونُ خلاصًا للشَّعب كُلّه، خاصّةً من احتِلال الرُّومان. فأخبرهُما يَسوع بِأنّهُما لا يَعْرِفانِ ماذا يَطلُبان، وذلك لأنّهُما لَم يَفْهَما عَن أيِّ مُلكٍ يَتَكَلَّم: هَل بِمَقْدورِهِما احْتِمال الآلام التي سَيَحتَملها هُوَ؟ فَالمُلك الذي يَتَكَلَّم عَنهُ يَسوع ليسَ قائِم على مَنْطِقِ البَشَر: مَنطِق القُوَّة؛ بَل على مَنْطِق الله: الصّليب المُؤَدِّي إلى المَجد السّماوي.
لقد كانَ التِّلميذانِ مُستَعِدّانِ لِحَمْلِ صَليبِ الألم. أضِف إلى أنّ يَسوع أكّدَ لَهُما أنّهُما سَيَحْمِلانِه. ولكِنَّ الجُلوس عَن يَمينِه وعَن شِمالِهِ لا يَحُقّ لِيَسوع نفسه أن يُعطيه. أنَّهُ عَطِيَّة يُنبوع كُلِّ صلاح: الله الآب. لأنّهُ هُوَ الذي أرسَلَ يَسوع، وَيَسوع يُتَمِّم مَشيئَتَهُ بارْتِفاعِهِ على الصّليب، كَما رأيْنا في إنجيل عيد الصّليب. وَكَأنَّ بِيَسوعَ يَقول للتِّلميذَين: تَمِّما مَشيئَةَ الآب كَمَا أُتَمِّمها أنا، وَهوَ الصّالِحُ المُحِبّ يُعطيكُما المُلك: مُلكَ السّماء.
أيْضًا لَم يَفهَم التّلاميذ الآخَرون ما يَتَكَلّم عَنهُ يَسوع: لقد غَضِبوا لأنّهُم أحَسُّوا أنفُسَهُم بِأنّ يَعقوب ويوحَنّا سَيَأخُذانِ المَناصِب كُلّها وَيَترُكونَهُم خارِجًا... لقد ظَلُّ قابِعينَ على المُستَوَى الأرضي البشري ولم يَدخُلوا في مَنْطِق يَسوع الذي يُفضي إلى السّماء. فناداهُم يَسوع ووضع أمامَهُم مُقارَنَة بَسيطة بين ما يُفَكِّرونَ بِهِ وَما يَقولُهُ هُوَ. فَهُناكَ تَعارُضٌ واضِح في سُلَّم القِيَم:
مَنطِق العالم (أي مَنطِق التّلاميذ) مَنطِق يَسوع
السّيطَرَة ("رُؤَساء الأمم يَسودونها") الخِدمَة ("مَن أرادَ أن يَكونَ عَظيمًا فَلْيَكُن لَكُم خادِمًا")
السُّلطَة ("يَتَسَلَّطونَ عَلَيْها") التّواضُع اللامُتَناهي ("مَن أرادَ أنْ يَكونَ الأوّل فيكُم، فَلْيَكُن لِجَميعِكُم عَبْدًا")

فأوصَى التّلاميذ بألاَّ يَكونَ مَنطِق العالم بينهُم، بَل المَنطِق الذي عَلَمَهُ هُوَ، ليس بِكَلامِهِ، بَل بِمَثَلِهِ: إذ لَمْ يَأتي إلاَّ لِيَخدُمَ الجَميع حَتّى المَوت على الصّليب، فادِيًا بِذلِكَ حَياة الكَثيرين.
ونحن:
هَلْ نَعرِف ما نُريدُهُ مِن يَسوع؟
ماذا نَطلُب مِن يَسوع؟ سُلطَة؟ مال؟ قُوّة؟
هَلاَّ نَظَرنا إلى أنفُسنا، بِكُلِّ تَواضُع، فَنَظَرنا إلى خطيئَتنا، وطلبنا بِيَسوع أن يَشفينا مِنها، وَهوَ الذي دَفَعَ دَمَهُ ثَمَنَها على الصّليب؟
هَلاَّ عَلِمْنا أنّهُ كُلَّما اسْتَلَمْنا السُّلطَة، وَأصْبَحْنا في مَوْقِع مَسؤولِيَّة، كُلَّما زادت مَسؤولِيَّتنا بِخِدمَةِ الآخَر وَلَيْسَ التّسَلُّط عَلَيْه؟
فما هِيَ قِيَمُنا؟ قِيَم العالم أم القِيَم التي يُوضِحها لنا يَسوع، المَبنِيَّة على ألم الصّليب؟
يَتَناقَضُ فَحْوى صَلاتنا وَجَوْهَر دُعائنا. أنْ يُلَبِّي اللهُ طَلَبنا هوَ ما نُريدُهُ. نُسَخِّرُهُ في سِياسَتنا التي تَبْقى في بَعْضِ الأحْيانِ مُلْتَوِيَة، وَنُقْحِمُهُ في مَعارِكنا التي لا مَعْنى لَها في كَثيرٍ مِنَ الأحْيان. نَدْعوهُ لِنُصْرَتنا على أعْدائِنا وَباسْمِهِ نَحْتَمي. نُنَصِّبُهُ طَرَفاً في خِلافاتنا وَنُمْلي عَلَيْهِ مَشورَتنا. نَطْلُبُ مِنْهُ مَا نَشاء،... وَكَأنَّهُ "بَنك" أو "عِيادَة نَقَّالَة". نَطْلُبُ مِنْهُ ما نُريد، وَلَيْسَ ما يُريدُ هوَ.
وَنَخْتُمُ صَلاتنا: "أبانا الذي في السَّماوات ... لِتَكُن مَشيئَتك". مَشيئَة الرَّب هيَ أن يَتَقَدَّس ﭐسْمُهُ في أعْمالنا وَيَأتي مَلَكوتَهُ في قَلبنا وَأفْعالنا. وَهذا ما لَن يَحصُل ما دُمْنا نَتَقاتَلُ مَـعَ الآخَرين للحُصولِ على مَرْكَزٍ مُمَيَّز، وَنُلْحِقُ بِهِم الأذى مِنْ أجْلِ مَكْسَبٍ زائِـل. فالعَظَمَة التي يُريدُها الرَّبُّ لَنا هيَ عَظَمَةُ الخادِم الذي يُفْني ذاتَهُ في خِدْمَةِ أهْلِ البَيت.

::: تأمّل روحي :::

العظمة الحقيقيّة!

في المرحلة الحسّاسة من حياة يسوع العلنيّة على الأرض، يتقدّم يعقوب ويوحنّا ابنا زبدى، طالبين منه الجلوس واحدًا عن يمينه والآخر عن يساره.
هل أرادا قطف المراكز في المجد الأبديّ قبل موته، فيطمئنّا إلى مصيرهما؟ هل كانت أنانيّة، أو لهما الأحقّية في الإرث السّماوي أكثر من البقيّة، بسب قرابتهما بيسوع؟


مهما كان السؤال أو الظّن، فهذا الحدث بلبل سريعًا علاقتهما بالتلاميذ الّذين بدوا غاضبين من الأمر، بالتالي، كان الفعل وردّ الفعل محض بشريّين. لم يتركا لروح المحبّة ولا للسلام مكانّا في الحوار... لكنّ يسوع استدرك الأمر، وكعادته، لم يؤنّب أيًا منهم على تصرّفه أو كلامه. كما أنّه لم يطلب من ابنا زبدى التوبة عمّا سبّباه، بل ذهب بهما وبالآخرين، إلى جوهر الحياة، مبتدءًا بتصحيح انفعالاتهم المُشوَّشة، كاشفًا لهما سرّ الوصول إلى الملكوت اوّلاً.
إذًا، لو كانا يعلمان بالشروط الّتي تفوق قدرة الإنسان الطبيعيّة على التحمّل من أجل الوصول إلى ملكوت الله، لما تجرّأآ مطلقًا على طلبٍ كهذا. ثمّ أنّ همّهما كان محورًا بما هو بعد الموت، والفوز بأكليل القداسة وتحديد المراكز، غير مدركين لأهميّة تهيئة المكان المنشود من خلال حياتهما على الأرض، حيث الجّهاد يبقى السلاح الوحيد لربح المعركة من أجل مملكة السماء.


فاليوم كما الأمس، ليس الوقت مناسبًا للعظمة البشريّة والأمجاد والتباهي. إنّه وقت المخاطر، وقت الصراعات والحروب، وقت مجابهة ميول النفس.
فالعظَمَة الحقيقيّة تنبع من داخل الإنسان، وتكمن في ذاته، لا في مظهره أو في مركزه، لا في اسمه ولا في ما يملك. فكلّ تلك الأخيرة تُفرَض بالعنف والتّسلّط وترهيب الآخرين. بينما العظمة الحقيقيّة، وحدها الّتي تشبه الله ، وتلازمنا دون أن ندري، وتتجلّى فينا بلطفٍ في تواضعها، مهما علا شأننا وتسامى منصبنا.. فهل رأيت مجدَ امرىءٍ فاحشٍ أو متكبّرٍ يدوم؟
إنّك تراه يصنع مجده على احتقار الآخرين، متطلّبًا منهم مدح شخصه باستمرار، وانتزاعه أكثر "التعظيمات" الممكنةِ كي يُسَرّ. تناقضٌ عجيب!... فالنفس المتكبّرة تقع دومًا ودائمًا فريسة النقائص والأخطاء...
أمّا حبيب الله، فهو ذاك الّذي يتعلّق، بملىء إرادته الصّلبة، بالعظمة الحقيقيّة، عظمة حضور الله في أعماقه، فنراه ثابتًا في ذاته، غير محتقرٍ لنفسه أو للآخرين، كما أنّ نظرته للمديح تختلف: فلا يسمح لذاته أن تُسْجَن داخل قضبان التّمجيد والتّعظيم البشريّيَن، أو شهوات النفس الدُنيا، أو الغيرة القاتلة من نجاح الآخر أو الغضب...


أيّهما الأعظمُ إذًا؟ وماذا هناك أسمى من أن يقدّم الإنسان ذاته قربانًا لله؟ لعَمري ما وجدت أثمن من هذه التقدمة!
هذه العظمة، هي الّتي تسمح لك برؤية الآخر، فتحثّه على ملامسة قدرتك في محبّتك له ومسؤوليّتك تجاهه. هي الّتي تسمح للآخر أن يتحسّس سلطتك في هالةِ الحبّ والرحمة تجاهه، ويراك محرَّرًا من الأنا، مقدِّسًا الضمير، فيتمثّل بك. هي طريقة عيش ٍ، تعمل على حفظ الكرامات، والأخذ بيد العاجز أو الضعيف، لتلمُّس طريق الملكوت.باختصار، هي دعوة للتواضع. وأختم بقولٍ للقدّيس شارل دو فوكو: " عندما تجلس في الأماكن الخلفيّة، ثق أنّك ستجد دومًا شخصًا بجانبك".

::: نوايا وصلاة شكر :::

نوايا للقدّاس

1- نصلّي من أجل رعاة كنيستنا، مار بنديكتس السادس عشر بابا روما، ومار نصرالله بطرس بطريركنا الأنطاكي، ومار جورج بو جودة مطراننا، مع سائر الأساقفة والكهنة والمكرّسين على اسمك القدوس، أعطهم أن يكونوا جنودًا صالحين للمسيح يسوع، فَيُشاركوه في احتمال المشقّات، نسألك يا رب.
2- نريد المجد لأنفسنا، نريد أن نشرب الكأس التي تشربها، وإذا أصابتنا مصيبة، نعتقد أنّك أنت من صنعَها، فنبتعد عنك ونخذلك بابتعادنا؛ أعطنا أن نفهم أنّك لا تمنح إلا الخير، وفي المصاعب، تمسك بِيَدنا كي تُنصِرنا، نسألك يا رب.
3- أعطنا إذا ما سُئِلنا، نجاوب بحكمة، وإذا ما طُلِبَ منّا خدمة، نخدم بِفَرَح، فنُصارع بِحَسبِ الأصول، وننال فهمَ كلّ شيء، نسألك يا رب.
4- بشفاعة مريم أوّل مَن حملت الكلمة ونقلتها للعالم، أعطنا أن نتشدّد بالنِعمة، فنستودع نحن ايضًا كلمتك لأُناسٍ أُمناء، جديرين هم أيضًا بأن يُعَلّموا غيرهم، نسألك يا رب.
من أجل كلّ من فارق هذه الحياة، لا تنظر إلى خطايا ارتُكِبَت بِمعرفة أو غير معرفة، بل إلى خِدمة ابنك، وبذل ذاته فداء عن الكثيرين، غافرًا لنا ولهم الخطايا والزلات.

صلاة شكر للقدّاس

نشكرك يا رب على جميع عطاياك، وعلى مبادرتك الدائمة لِتَلبيَة حاجاتنا،
نشكرك لأنّك تعتبرنا أناسًا جديرين بِسَماعِ البشارة ونقلها لآخرين،
نشكرك على تواضعك الذي يعلّمنا كيف نكون عظماء بِنَظَرِك،
نشكرك على امّحائك في القربان الذي تناولناه،
نشكرك ونحمدك من الآن وإلى الأبد، أيّها الآب والابن والروح القدس، آمين.

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

المقدّمة، الصلاة، أفكار من وحي الرسالة والإنجيل من إعداد:
الإكليريكي فؤاد فهد
Fouad.Fahed@hotmail.com


تأمّل روحي من إعداد:
السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

نوايا وصلاة شكر للقدّاس من إعداد:
السيدة مادلين ديب سعد
madeleinedib@hotmail.com

عدد القراءات: 3823