عظات قداسة البابا

الكاتب:

غرة معيط

المصدر:

وكالة زينيت العالميّة

التّاريخ:

الجمعة 17 أيلول 2010

عظة قداسة البابا بندكتس السادس عشر في القدّاس الإلهي في منتزه بيلاهيوستن في مدينة غلاسكو

ننشر في ما يلي العظة التي ألقاها بندكتس السادس عشر خلال الاحتفال بسر الافخارستيا نهار الخميس 16 سبتمبر 2010 في منتزه بيلاهيوستن في مدينة غلاسكو.

***

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء في المسيح،

"قد اقترب منكم ملكوت الله!" (لو 10، 9). بهذه الكلمات الإنجيلية التي سمعناها للتو، أحييكم جميعاً بمحبة كبيرة في الرب. حقاً أن ملكوت الرب هو وسطنا الآن! في هذا الاحتفال بسر الافخارستيا الذي تجتمع خلاله كنيسة اسكتلندا حول المذبح بالاتحاد مع خليفة بطرس، دعونا نعيد التأكيد على إيماننا في كلمة المسيح وعلى رجائنا – الرجاء الذي لا يخيب أبداً – في وعوده! أوجه تحيات حارة إلى الكاردينال أوبراين والأساقفة الاسكتلنديين، وأشكر بخاصة رئيس الأساقفة كونتي على كلماته الترحيبية الطيبة التي وجهها لي بالنيابة عنكم. كما أعبر عن امتناني العميق للعمل الذي أنجزته الحكومتان البريطانية والاسكتلندية وآباء مدينة غلاسكو لجعل هذا الحدث ممكناً.

يذكرنا إنجيل اليوم بأن المسيح يستمر في إرسال تلاميذه إلى العالم ليعلنوا مجيء ملكوته، ويحملوا سلامه إلى العالم، منطلقين من بيت إلى آخر، من عائلة إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى. لقد جئت إليكم أنتم الأبناء الروحيون للقديس أندراوس لأبشركم بهذا السلام وأثبتكم في إيمان بطرس (لو 22، 32). وبانفعال شديد أخاطبكم من مكان ليس بعيداً عن الموضع الذي احتفل فيه سلفي الحبيب البابا يوحنا بولس الثاني بالقداس قبل حوالي ثلاثين عاماً، والذي لقي فيه ترحيباً من أضخم حشد في تاريخ اسكتلندا.

كثيرة هي الأمور التي حصلت في اسكتلندا وفي كنيسة هذه البلاد منذ تلك الزيارة التاريخية. وأشير برضى كبير إلى أن الدعوة التي وجهها إليكم البابا يوحنا بولس الثاني لتسيروا جنباً إلى جنب مع إخوتكم المسيحيين قد أدت إلى تنمية الثقة والصداقة مع أعضاء كنيسة اسكتلندا والكنيسة الأسقفية الاسكتلندية وغيرهم. إنني أشجعكم على الاستمرار في الصلاة والعمل معهم لبناء مستقبل أكثر إشراقاً لاسكتلندا بناءً على إرثنا المسيحي المشترك. في القراءة الأولى لهذا اليوم، سمعنا دعوة القديس بولس لأهل روما للاعتراف بأننا كأعضاء جسد المسيح ننتمي إلى بعضنا البعض (رو 12، 5) ولنعيش في احترام ومحبة متبادلة. ومن هذا المنطلق، أحيي الممثلين المسكونيين الذين يشرفوننا بحضورهم. تصادف في هذه السنة الذكرى الأربعمئة والخمسين للبرلمان الإصلاحي، والذكرى المئوية الأولى للمؤتمر الإرسالي العالمي في إدنبره الذي يعرف بأنه نقطة انطلاق الحركة المسكونية الحديثة. فلنرفع الشكر لله على الوعد الذي يمثله التفاهم والتعاون المسكونيان في سبيل شهادة موحدة لحقيقة كلمة الله المخلصة في المجتمع الحالي الخاضع لتقلبات سريعة.

من بين مختلف المواهب التي يعددها القديس بولس لبناء الكنيسة، تبرز موهبة التعليم (رو 12، 7). لطالما كان التبشير بالإنجيل مصحوباً باهتمام بالكلمة: كلمة الله المستلهمة والثقافة التي فيها تتجذر تلك الكلمة وتنمو. هنا في اسكتلندا، أفكر في الجامعات القروسطية الثلاث التي أسسها البابوات هنا، من بينها جامعة القديس أندراوس التي توشك على الاحتفال بالذكرى المئوية السادسة لتأسيسها. خلال السنوات الثلاثين الماضية وبمساعدة من السلطات المدنية، قبلت المدارس الكاثوليكية الاسكتلندية التحدي القائم على تأمين تربية شاملة لأعداد أكبر من التلاميذ، مما ساعد الشباب ليس فقط على درب النمو الروحي والإنساني، وإنما أيضاً في مهنهم وفي الحياة العامة. هذا دليل رجاء عظيم للكنيسة، وأشجع المحترفين الكاثوليك ورجال السياسة والمعلمين الاسكتلنديين على عدم غض النظر عن دعوتهم إلى توظيف مواهبهم وتجربتهم في خدمة الإيمان، مستخدمين الثقافة الاسكتلندية المعاصرة على كافة المستويات.

إن تبشير الثقافة هو الأمر الأكثر أهمية في زماننا، في الوقت الذي تهدد فيه "ديكتاتورية النسبوية" بحجب الحقيقة الثابتة حول طبيعة الإنسان وقدره ومصلحته الأساسية. البعض يسعى حالياً إلى استبعاد المعتقدات الدينية عن النقاش العام، وإلى تخصيصها أو حتى تصويرها كتهديد للمساواة والحرية. لكن الدين هو في الواقع ضمانة للحرية والاحترام الحقيقيين وهو يدفع بنا إلى اعتبار كل إنسان كأخ أو أخت لنا. لذلك، أدعوكم بخاصة أنتم المؤمنين العلمانيين، وفقاً لدعوتكم ورسالتكم العماديتين، ليس فقط إلى أن تكونوا مثل الإيمان في العلن، بل أيضاً إلى أن تعملوا على تعزيز حكمة ورؤية الإيمان في المنتدى العام. المجتمع يحتاج اليوم إلى أصوات واضحة تقترح حقنا في العيش ليس في غابة من الحريات المدمرة للذات والتعسفية، وإنما في مجتمع يعمل من أجل خير مواطنيه ويقدم لهم الإرشاد والحماية أمام ضعفهم وهشاشتهم. لا تخافوا من تأدية هذه الخدمة لإخوتكم وأخواتكم، ولمستقبل أمتكم الحبيبة.

القديس نينيان الذي نحتفل اليوم بعيده لم يكن يخاف من أن يكون صوتاً منفرداً. وعلى خطى التلاميذ الذين أرسلهم ربنا قبله، كان نينيان أحد أوائل المبشرين الكاثوليك الذين حملوا بشرى يسوع المسيح السارة إلى إخوتهم البريطانيين. أصبحت كنيسته التبشيرية في غالوواي مركزاً لأول تبشير لهذه البلاد. هذا العمل تابعه لاحقاً القديس مونغو شفيع غلاسكو وقديسون آخرون أعظمهم القديس كولومبا والقديسة مارغريتا. من خلال الاستلهام منهم، عمل العديد من الرجال والنساء على مر قرون عديدة لينقلوا الإيمان لكم. اسعوا إلى أن تكونوا مستحقين لهذا التقليد العظيم! وليكن إرشاد القديس بولس في القراءة الأولى إلهامكم الدائم: "لا تتكاسلوا في الاجتهاد، بل كونوا ملتهبين في الروح، عبيداً خادمين للرب، فرحين بالرجاء، صابرين في الضيق، مواظبين على الصلاة" (رو 12: 11، 12).

الآن، أود أن أوجه كلمة خاصة إلى أساقفة اسكتلندا. أيها الإخوة الأعزاء، إنني أشجعكم في قيادتكم الرعوية لكاثوليك اسكتلندا. وكما تعلمون، فإن أحد واجباتكم الرعوية الأساسية هو تجاه كهنتكم (Presbyterorum Ordinis، 7) وتجاه تقديسهم. وكما هم مسيح آخر بالنسبة للجماعة الكاثوليكية، هكذا أنتم أيضاً بالنسبة إليهم. عيشوا بالكامل المحبة المنبثقة من المسيح، في دعوتكم الأخوية تجاه كهنتكم، متعاونين معهم جميعاً وبخاصة مع الذين لا يتواصلون كثيراً مع إخوتهم الكهنة. صلوا معهم من أجل الدعوات لكي يرسل رب الحصاد فعلة إلى حصاده (لو 10، 2). ومثلما يصنع سر الافخارستيا الكنيسة، هكذا يعتبر الكهنوت أساسياً في حياة الكنيسة. تكفلوا شخصياً بتنشئة كهنتكم كهيئة رجال قادرين على إلهام آخرين لتكريس أنفسهم بالكامل لخدمة الله الكلي القدرة. واعتنوا أيضاً بشمامستكم المرتبطة رتبة خدمتهم برتبة جماعة الأساقفة. كونوا لهم آباء ومرشدين نحو القداسة، وشجعوهم على النمو في المعرفة والحكمة خلال إنجاز رسالة التبشير التي دعوا إليها.

أعزائي كهنة اسكتلندا، أنتم مدعوون إلى القداسة وخدمة شعب الله من خلال صوغ حياتكم حول سر صليب الرب. بشروا بالإنجيل بقلب نقي وضمير مرتاح. كرسوا أنفسكم لله وحده لتصبحوا للشباب قدوة نيرة عن الحياة المقدسة والبسيطة والسارة: وبالتأكيد أنهم سيرغبون هم بدورهم بالانضمام إليكم في خدمتكم الثابتة لشعب الله. أرجو أن يلهمكم مثال القديس جون أوجيلفي المتفاني والنزيه والشجاع. كذلك، أشجعكم أنتم رهبان وراهبات اسكتلندا على أن تكونوا كالنور على التلة من خلال عيش حياة مسيحية فعلية من الصلاة والعمل، حياة تشهد بطريقة نيرة لقدرة الإنجيل.

ختاماً، أود أن أوجه كلمة لكم أعزائي شباب اسكتلندا الكاثوليك. إنني أحثكم على أن تسلكوا سلوكاً يليق بربنا (أف 4، 1) وبأنفسكم. فأنتم تصادفون يومياً إغراءات عديدة – المخدرات، المال، الجنس، المواد الإباحية، الكحول – يدعي العالم بأنها تمنحكم السعادة، لكنها فتاكة ومفرِّقة. هناك شيء واحد يدوم وهو محبة يسوع المسيح لكل واحد منكم شخصياً. ابحثوا عنه وتعرفوا إليه وأحبوه، فيحرركم من عبودية وجود مغر وإنما سطحي، وجود كثيراً ما يقترحه المجتمع الحالي. اطرحوا جانباً الأمور الباطلة، واعرفوا كرامتكم كأبناء الله. في إنجيل اليوم، يطلب منا يسوع أن نصلي من أجل الدعوات. إنني أصلي لكي يتعرف كثيرون منكم إلى يسوع المسيح ويحبوه، ويتمكنوا من خلال هذا اللقاء من تكريس أنفسهم بالكامل لله، بخاصة المدعوون بينكم إلى الكهنوت والحياة الرهبانية. هذا هو التحدي الذي يقدمه الرب لكم اليوم: الكنيسة أصبحت الآن ملكاً لكم!

أيها الأحباء، أعبر مجدداً عن فرحي بالاحتفال بهذا القداس معكم. ويسرني أن أؤكد لكم على صلواتي بلغة بلادكم القديمة:

Sìth agus beannachd Dhe dhuibh uile; Dia bhi timcheall oirbh; agus gum beannaicheadh Dia Alba

فليكن سلام الله وبركته معكم جميعاً! وليحمكم الله ويبارك الشعب الاسكتلندي!

نقلته إلى العربية غرة معيط (Zenit.org)

حقوق الطبع محفظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2010

عدد القراءات: 3660