مقالات ليتورجية

الكاتب:

الأب بيتر مدروس

المصدر:

موقع أبونا

التّاريخ:

الإثنين 21 آذار 2011

بين الكوارث الكونية والحروب الاهلية والمناسبات التقويّة الروحانية
الأب بيتر مدروس
الأب بيتر مدروس

تدمع العيون وتمسي القلوب دامية عندما ترى مئات الضحايا ليس فقط بالزلازل وسائر الكوارث الطبيعية بل ايضا بسبب اغتيال البشر لاخوتهم خصوصا من ابناء أوطانهم. وتقدّم لنا الكنيسة كل يوم وكل أحد قراءات من الكتب الملهمة الموحى بها وكلّها أمل أن تكون الكلمة الالهية كما هتف صاحب المزامير "مصباحا لخطانا ونورا لسبيلنا... وتعزيتنا في بؤسنا" (119 (118): 50 ثم 105). وما صدق القوم المتوهمون أنّ الزلازل والحروب وأخبار الحروب هي نهاية العالم في حين ان السيد المسيح قال عنها وعن اشباهها عبر القرون أنها مجرّد "بداية المخاض". وفعلا، لم يصدق اي من المتنبئين الغربيين ولا سيما الامريكيين منذ الاربعينات من القرن التاسع عشر عندما تكهّنوا عن نهاية الكون ودعموا أوهامهم بتفسير للكتب المقدسة أثبت الواقع غلطه.


شهر مليء بالمناسبات التقوية الروحانية المؤثّرة


- احتفلت الكنيسة الكاثوليكية في طقسها اللاتيني وتحتفل باستمرار الكنيسة الام في زهرة المدائن بعيد القديس البطريرك العظيم صفرونيوس (المتوفّى سنة 638م). ويحنّ المؤمنون العرب ولاسيّما الفلسطينيون والمقدسيون إلى تلك الايام التي شهدت البارّ صفرونيوس ابن دمشق المولود فيها نحو سنة 550 م من ابوين سريانيين فاضلين ابلينثاس وميرثو. وتألق البطريرك القديس بولائه للسدّة الحبرية البابوية في روما القديمة من أعمال ايطاليا. وقد وصف مار صفرونيوس "كنيسة الرومانيين جزيلة القداسة" بأنها "بمثابة منارة جميع الكنائس تحت الشمس" (في رسالته السينودية، ج 3188). واستحلف البطريرك صفرونيوس أحد اساقفته المساعدين، اسطفانوس الدّرّ، "أن يتوجّه من أقصى الارض إلى أقصاها إلى أن يبلغ الكرسي الرسولي (اي البابوي الحبري الروماني) حيث أسس العقائد القويمة" (مجمع اللاتران سنة 649، وثائق مانسي 10، ج 896). والملحوظ أن اللفظة التي نُقلت هنا ب "قويمة" هي "اورثوذوكس". والواقع أن ما كان في ذلك القرن السابع انشقاق بين روما والقسطنطينية (الذي تمّ سنة 1954 م) ولا بين روما والقدس، وأنّ لفظتَي "كاثوليك" أي جامعة شاملة، و "ارثوذكس "أي مستقيم الرأي" كانتا تُطلقان على الكنيسة الجامعة مستقيمة الايمان.


- في الثامن عشر من آذار تحتفل الكنيسة الكاثوليكية بعيد القديس كيرلس اسقف المدينة المقدسة المتوفّى سنة 386م. واشتهر القديس كيرلس بمواعظه وتعاليمه أمام قبر الخلاص ولاسيّما في إعداد الموعوظين للمعمودية المقدسة. ويضيق المقام لايراد بعض كتاباته المأثورة ومآثر سيرته العطرة. ولكن يذكر المرء على سبيل المثال لا الحصر من "مقدّمة العظات" رقم 6 عن حصول المعتمد على اسم جديد. وفي الرقم السابع يشدّد الاسقف القديس المقدسي: "لا ثُعمّد الانسان إلاّ مرّة واحدة: لا يمكن تقبّل غسل الميلاد الثاني مرّتين أو ثلاثة". وفي نصوص أفسس 4: 5 ، ثم قورنثوس الاولى 12: 4-6 أنّ هنالك معمودية واحدة فقط دحضا لما سيقوم به في القرن الرابع الدوناتيون والسادس عشر الفيدرتويفر الالمان من أعادة عمّاد أناس إمّا تركوا الايمان أو تخلّوا عن كنيستهم الام.


- ولا ينسى المرء في عيد القديس كيرلس معلّم الايمان المقدسي ضرورة التعليم والوعظ والارشاد وتجاوب المؤمنين مع خدمة رعاتهم التعليمية التقديسية والادارية. وتريد هذه السطور -خصوصا في السنة الراعوية السينودسية لقراءة الكتاب المقدس- تريد هذه السطور أن تشجّع المؤمنين على مطالعة كلمة الله في بيوتهم العامرة والمشاركة في الندوات والمحاضرات التي تُلقى تفسيرا للوحي الالهي. وهنالك ظاهرة محزنة يأمل المرء أن تزول: عدم الاقبال أو الاقبال القليل على الندوات والمحاضرات مع أنها المناسبة الفريدة للحوار والمشاركة والاعتراض والنقاش، في حين أن وقت العظة في الكنيسة محدود وأن لا مجال لمحاججة الكاهن في أثناء القداس أو الخُطبة. وبما أن شعبنا الحبيب يطالب بالديموقراطية والمشاورة والمعرفة والاطّلاع على أمور دينه وشؤون رعيّته، فلا يفوّتنّ هذه الفرصة الذهبية ليعبّر باحترام ووداعة ووقار عن آرائه ومواقفه. فيقلّ سوء الفهم ونسيطر على آفة الجهل التي "تهلك شعبنا". ولا يظننّ أحد أنّ مصلحة الاكليروس -وأقصد بشكل خصوصي الاكليروس الوطني والمتعلّم- إبقاء الرعية في ظلمات الجهل. فالشعب الجاهل الجهول مصيبة ونكبة يتعب الراعي بهما ويضيق ذرعا ويخشى -كما حصل أحيانا مع بعض الرسل والانبياء- "أن يكون قد تعب عبثا"!.


- أمّا عيد القديس يوسف فيقع في التاسع عشر من هذا الشهر. يكتب الانجيل الطاهر عن مار يوسف ابن داوود أنه كان "صدّيقا" (متّى 1: 19) اي قدّيسا بارّا صالحا، رجُل يحبّ السّتر لا الفضيحة. ومع أن الانجيل الطاهر لا ينقل إلينا اية كلمة أو جملة على لسانه غير أنه لم يكن أخرس. وكفاه فخرا أن كلية القداسة مريم الطهور وانجيل لوقا يدعُوانه "ابا يسوع" (عن لوقا 2: 27 ، 33، 41، 48) - فالمربي أب ولعلّه أحيانا أقرب إلى الطفل من والده الفيزيولوجي. وعندما يكمل الانجيل المقدّس ويكتب أن "يسوع الفتى كان خاضعا لمريم ويوسف" (عن 2: 51 ب) يدلّ ذلك على أن القديس يوسف كان يتكلّم ويأمر وينهى يسوع الانسان! ويمكن بكل صدق أن يحتفل الاباء المسيحيون بعيد الاب في عيد القديس يوسف الاب الروحاني للسيد المسيح. ولا عجب أن تعدّ الاسرة اللاسالية التي أسسها القديس يوحنا المعمدان دلا سال ("الفرير") القديس يوسف شفيعها ومثالها في تربية الاجيال ولاسيما الفقراء.


- ويأتي الحادي والعشرون عيدا للام بعد عيد الاب أو معه، عيد الاسرة، عيد الربيع. ولا يجوز احتفال بالام من غير ذِكر السيدة العذراء والدة السيد المسيح منها السلام، بتول البتولات وأم الامهات المباركة في النساء المصطفاة المطهّرة على نساء العالمين. ويحزن المرء لتنكّر نفر غير قليل للبتول مريم من "مسيحيين" غربيي المنشأ ولا سيما في البلاد السكسونية وإنكارهم لوجاهتها (مع أنها واضحة في عرس قانا الجليل) ولعذريتها الدائمة. ولعلّ تلك المواقف الغريبة مستمدّة عقلية ذكورية سطعت منذ القرن السادس عشر بخلاف هدى الانجيل الطاهر وسنائه. وقد تأتي تلك السلبية من تأثير كتابات تلمودية لا تفخر بمريم الناصرية مع أنها كانت من أهل العهد القديم بل تسيء إليها وإلى ابنها السيد المسيح. ويبدو أن تلك المصادر من قوم العهد القديم تفضّل نوعية أخرى من "النساء": لا حوّاء الجديدة كاملة القداسة مريم بل حوّاء القديمة أمّ الغرور والاغراء التي تحقق المآرب السياسية والاقتصادية والتجارية والدسائس والمكائد وتقطع رؤوس قادة عسكريين وثنيين مثل "هولوفرنا" وتُخضع لمفاتنها "أحشوروشات" الماضي والحاضر.


- ويصادف الحادي والعشرون من آذار منذ سنة 1966 اليوم العالمي لمناهضة التمييز العنصري. وقد كتب عن العنصرية فضيلة الشيخ الدكتور عكرمة صبري على صفحات "القدس" الغرّاء. وفي حين انتصرت جنوب أفريقيا على العنصرية تنتظر مناطق وشعوب أخرى ذلك التحرير من عبودية الفوقية والاستعلاء. ويأسف المرء أن يرى أمما تحسب نفسها محور الكرة الارضية ، وإن كان لها في العصور الغابرة دور ومكانة، فتتوهم أنها الشعب المختار المترفع على "مساخيط" الوثنيين الذين تتصوّر ان الله خلقهم لخدمتها وتقبيل اقدامها. وتعدّ تلك الفئات أنّ دم الواحد من أفرادها يساوي المئات والالاف، إذ ليست من "طينة" البشر بل مميّزة منزّهة مدلّلة يحق لها ما لا يحق لغيرها.


خاتمة


أخيرا وليس آخر الكل شأنا، تحية إلى القديسة "الكبيرة" تريزيا الصغيرة من ليزيو، فخر رهبنة الكرمل والكنيسة الكاثوليكية. نستقبل في فلسطين ذخائرها وكذلك في الدول المجاورة، لعلّنا نقتدي بطريقها الروحانية التي تتلخص بالطفولة المعنوية لا الفكرية تتميما لكلمات السيد له المجد: "إن لم تعودوا كالاطفال، لن تدخلوا ملكوت السماوات".


كما يحلو لنا من هذ المنبر الاغرّ أن نحيّي مهنّئين غبطة البطريرك الماروني الجديد بشارة الراعي سامي الاحترام وقد عهدناه "راعيا" شجاعا وأبا صادقا نزيها "لا يخشى لومة لائم" وقد تسلّح بالحقّ والعدل والعقل السليم والذوق القويم والرأي السديد والغيرة الرسولية الكهنوتية الصميمة التي نراها في "أساقفة من ذهب صلبانهم من خشب". لسنين عديدة يا سيّد، وفي السريانية نهتف: "بارخ مور، ريش ريشونيه" أي "بارك يا سيّد، رئيس الرؤساء!"! وليعطه الله وسائر الموارنة ومسيحيي الشرق الاوسط وكلّ شعوب المنطقة والعالم السلام المنشود والوفاق الموعود "مجد الكرمل ولبنان"!.

عدد القراءات: 3420