مقالات ليتورجيّة

المصدر:

موقع بلدة القبيات الإلكتروني

التّاريخ:

السبت 26 آذار 2011

الأحد الرابع من الصوم الكبير: أحد مثل الابن الشاطر
(27 آذار 2011)

::: مقدّمة :::

· بعد شفائين (الأبرص والمنزوفة) وقبل شفائين (المخلّع والأعمى)، نجد في هذا الأحد الّذي يتوسّط زمن الصّوم مثلاً هو من أشهر الأمثال في الإنجيل تمهّد له رسالةٌ تدعو الإنسان إلى اختبار إيمانه ومدى رسوخه فيه.
· ففي رسالة اليوم، يدعونا بولس الرّسول إلى اختبار رسوخنا في المسيح لكي نتوصّل إلى عيش السلام في نفوسنا.
· أمّا في الإنجيل، فنتأمّل في رحمة الله للإنسان حين يدرك كم أنّ ابتعاده عن الله يبعده عن ذاته وعن طبيعته وعن هويّته كابنٍ للّه فيستبدل الغرور بالرحمة والتوبة والغفران.لنتأمل بقراءات هذا الأحد فنجدّد بنوّتنا لله ونرحم إخوتنا بالإنسانيّة، من فداهم الربّ يسوع كما فدانا بالصّليب والقيامة، فيكون صومنا درباً إلى قيامتنا مع المسيح، آمين.

::: صلاة :::

في هذا الأحد، نشكرك أيّها الآب على محبّتك الغافرة الّتي تجلّت في عطيّة الابن الفادي والرّوح المعزّي...
ونمجّدك من أجل صليب ابنك وموته وقيامته التي تتأصّل في نفوسنا وفي حياتنا بواسطة الرّوح القدس المحيي والمقدّس...أعطنا اليوم قلباً جديداً يغفر للخاطئ ويقبل توبة المرتدّ كما نرجوك أن تقبل توبتنا كلّما عدنا إليك لأنّك نبع الغفران الّذي يغفر كالأم ويرفق كالأب، فنمجّدك مع ابنك الوحيد وروحك القدّوس، إلى الأبد، آمين.

::: قراءة خاصّة بزمن الصوم :::

القدّيس الكبير يوحنّا فم الذهب كتب عن الصوم:

"إنَّ مِنَ الواجِبِ عَلَيْنا أَنْ نَعْرِفَ مَقَاصِدَ أَصْوامِنا، فَلا نَكونَ كَالتَائِهينَ في البَحْر، يَتَوَهَّمونَ أَنَّهُ إلى المَدِينَةِ قاصِدُون، وَهُمْ في مُتَّجَهٍ آخَرَ هَائِمون.
فَإنْ قُلْتَ ما الصَوُمُ في الحَقِيقَة، أَهوَ غَيْرُ الامْتِنَاعِ عَنْ جَمِيعِ الرَذائِلِ والتَمَسُّكُ بِجَميعِ الفَضَائِل، بِمَنْعِ النَفْسِ عَنِ اللَذَّاتِ البَدَنِيَّةِ كَالأَطْعِمَةِ والأَشْرِبَةِ وَسِوَاها. لَيسَ الصَوْمُ أَنْ يَضَعَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَيَحْنِيَ عُنُقَهُ وَيَفْتَرِشَ لَهُ مِسْحَاً وَرَمَادا، بَلْ أَنْ تَحُلَّ أَغْلالَ الإِثْم، وَتَقْطَعَ رُبُطَ الظُلْم، وتُجَانِبَ المَكْرَ والغِشّ، وتُعْتِقَ المُسْتَعْبَدين، وتَكْسِرَ خُبْزَكَ لِلجَائِع، وتُؤْويَ الغَريبَ إلى بَيْتِكَ، وَتُنْصِفَ الأيْتَامَ والأَرَامِل، ولا تَتغاضى عَنْ لَحْمِكَ وَدَمِكَ. فَإِنْ تَفْعَلْ ذَلِكَ، فَيُشْرِقُ نُورُكَ في الظُلْمَة، ويَظْهَرُ بِرُّكَ سَريعاً، ويَنْفَجِرُ ضياؤكَ مِثْلَ الصُبْح،
وتَجْمَعُ كَرَامَةُ الرَّبِّ شَمْلَكَ، ويُدَبِّرُكَ اللهُ تَدبيراً صَالحِا، وتَشْبَعُ نَفْسُكَ مِنَ الخِصْب، وتَصِيرُ كالبُسْتَانِ الذي تَمُوجُ أغْصَانُهُ نَضِرَةً، وكَيُنْبُوعِ المَاءِ الذي لا يَنْقَطِع. وتَبْني مِنْ خَيْراتِكَ الخِرَبَ التي خَرِبَت مُنْذُ القَديْم، وتُقِيمُ الأسَاسَ الذي سَقَطَ مِنْ أَوائِلِ الزَمَان".

::: الرسالة :::

5 إِخْتَبِرُوا أَنْفُسَكُم، هَلْ أَنْتُم رَاسِخُونَ في الإِيْمَان. إِمْتَحِنُوا أَنْفُسَكُم. أَلا تَعْرِفُونَ أَنَّ الـمَسِيحَ يَسُوعَ فِيكُم؟ إِلاَّ إِذَا كُنْتُم مَرْفُوضِين!
6 فأَرْجُو أَنْ تَعْرِفُوا أَنَّنا نَحْنُ لَسْنا مَرْفُوضِين!
7 ونُصَلِّي إِلى اللهِ كَيْ لا تَفْعَلُوا أَيَّ شَرّ، لا لِنَظْهَرَ نَحْنُ مَقْبُولِين، بَلْ لِكَي تَفْعَلُوا أَنْتُمُ الـخَيْر، ونَكُونَ نَحْنُ كَأَنَّنا مَرْفُوضُون!
8 فَإِنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ شَيْئًا ضِدَّ الـحَقّ، بَلْ لأَجْلِ الـحَقّ!
9 أَجَلْ، إِنَّنا نَفْرَحُ عِنْدَما نَكُونُ نَحْنُ ضُعَفَاء، وتَكُونُونَ أَنْتُم أَقْوِيَاء. مِنْ أَجْلِ هـذَا أَيْضًا نُصَلِّي لِكَي تَكُونُوا كَامِلِين.
10 أَكْتُبُ هـذَا وأَنا غَائِب، لِئَلاَّ أُعَامِلَكُم بِقَسَاوَةٍ وأَنا حَاضِر، بِالسُّلْطَانِ الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهُ الرَّبّ، لِبُنْيَانِكُم لا لِهَدْمِكُم.
11 وبَعْدُ، أَيُّهَا الإِخْوَة، إِفْرَحُوا، وَاسْعَوا إِلى الكَمَال، وتَشَجَّعُوا، وكُونُوا عَلى رَأْيٍ وَاحِد، وعِيشُوا في سَلام، وإِلـهُ الـمَحَبَّةِ والسَّلامِ يَكُونُ مَعَكُم!
12 سَلِّمُوا بَعْضُكُم عَلى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَة. جَمِيعُ القِدِّيسِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكُم.
13 نِعْمَةُ الرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح، ومَحَبَّةُ الله، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ مَعَكُم أَجْمَعِين!

(الرّسالة الثانية إلى أهل قورنتوس – الفصل13 - الآيات 5 إلى 13)

::: تأمّل من وحي الرسالة :::
فِي خِتَامِ رِسَالَتِهِ الثَّانِيَة إِلَى أَهلِ كورنتُس يُوَجِّهُ بُولُس الرَّسُول نَصِيحَةً مَسِيحَانِيَّةً بِقَولِهِ "إفرَحُوا وَاسعُوا إِلَى الكَمَالِ وَتَشخَّصُوا وَكُونُوا عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ وَعِيشُوا فِي سَلامٍ" (الآيَة 11). وَهَذَا الكَلام يُذَكِّرُنَا بِقُوَّةٍ بِكَلامِهِ فِي الرِّسَالَة إِلَى أَهلِ رُومَة وَالَّتِي قَرَأْنَاهَا فِي بِدَايَةِ الصَّومِ قَولَهُ "فَلَيسَ مَلَكُوت الله أَكْلاً وَشُربًا بَلْ فَرَحٌ وَسَلامٌ فِي الرُّوحِ القُدُس"(رومة 12/17).
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِخوَتِي الأَحِبَّاء وَبِطَرِيقَةِ عَيشِهِ لا يَصِلُ إِلَى هَذِهِ المُسَلَّمَاتِ يَكُونُ يُشبِهُ إِلَى حدٍّ بَعِيدٍ اِلإبنَ الضَّال الَّذِي تَرَكَ بَيتَ أَبِيهِ لِيَشهَدَ الفَرَحَ وَالسَّلامَ خَارِجِ البَيتِ الأَبَوِي فَأَوصَلَتهُ حَالَتُهُ إِلَى الذُّلِّ وَاليَأْسِ.
فَكَيفَ نَختَبِرُ وَنَمتَحِنُ نُفُوسَنَا إِذَا كُنَّا نَعِيشُ المَسِيحَ فِي حَيَاتِنَا ؟
الجَوَابُ بَسِيطٌ : اللهُ مَحَبَّة (1يوحنا 4/8) وَاللهُ يَدعُونَا إِلَى عَيشِ هَذِهِ المَحَبَّةُ بِقَولِهِ"أَحِبُّوا بَعضَكُم بَعضًا كَمَا أَنَا أَحبَبتُكُم" (يوحنا 13/34) وَالنَّتِيجَة "مَنْ أَحَبَّ الله فَليُحبِبْ أَخَاهُ أَيضًا" (1يوحنا 4/21). وَلنَنْتَبِه جَيِّدًا لِقَولِ يُوحَنَّا الرَّسُول "لا تَكُنْ مَحَبَّتُنَا بِالكَلام وَلا بِاللِّسَانِ بَلْ بَالعَمَلِ وَالحَق"(1يوحنا 3/18).
فَهَلْ تُعَاشُ المَحَبَّة عِندَمَا يَكُونُ بَينَنَا عَدَاوَاتٌ وَخُصُومَاتٌ وَمُنَازَعَاتٌ وحَسَدٌ وَكُرهٌ (غلاطية 5/20-21) َأو خُبثٍ وَغِشٍّ وَرِيَاءٍ وَنَمِيمَةٍ (1 بطرس2/1).
وَأَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ عِندَمَا نَنْهَشُ بَعضُنَا بَعضًا وَكَأَنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نُفنِيَ الآخَرَ مِنْ حَيَاتِنَا (غلاطية 5/15).
أَمْ أَنَّهَا تُعَاشُ بَالفَرَحِ وَالسَّلام وَالصَّبر وَاللُّطفِ وَكَرَمُ الأِخلاقِ وَالإِيمَانِ وَالوَدَاعَة (غلاطية5/22-24) وَعِندَمَا نُحِبُّ القَرِيبَ كَمَا نُحِبُّ نُفُوسَنَا (احبار19/18) وَأَنْ نَفعَلَ لِلنَّاسِ مَا أَرَدنَا أَن يَفعَلَ النَّاسُ لَنَا (متَّى 7/12) وَلنَسمَع مَار بُطرُس يَقُولُ لَنَا "كُونُوا مُتَّفِقِينَ فِي الرَّأي مُشفِقينَ بَعضُكُم عَلَى بَعضٍ، مُتَحَابِّينَ، رُحَمَاء، مُتَوَاضِعِينَ، لا تَرُدُّوا الشَّرَّ بِالشَّرِّ بَلْ بَارِكُوا لأَنَّكُم لِهَذَا دُعِيتُم لِتَرِثُوا البَرَكَةَ لأَنَّ مَنْ يَشَاءُ أَنْ يُحِبَّ الحَيَاةَ وَيَرَى أَيَّامًا سَعِيدَة وَجَبَ أَن يَكُفَّ لِسَانُهُ عَنِ الشَّرِّ وَشَفَتَيهِ عَنْ كَلامِ الغِشِّ وَيَبتَعِدَ عَنِ الشَّرِّ وَيَعمَلَ الخَيرَ وَيَطلُبَ السَّلامَ وَيَتبَعُهُ"(1بطرس3/8-11).
إِذَن إِخوَتِي فَمَا دَامَت لَنَا الفُرصَةُ فَلنَصنَعِ الخَيرَ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ وَلا سِيَّمَا إِلَى إِخوَتِنَا فِي الإيمَانِ (غلاطية 6/10) فَنَحتَمِل بَعضُنَا بَعضًا وَيَصفَح بَعضُنَا عَنْ بَعضٍ كَمَا صَفَحَ عَنَّا الرَّبّ وَنَلبِسُ ثَوبَ المَحَبَّةِ فَإِنَّهُ رِباطُ الكَمَالِ وَليَسُد قُلُوبَنَا سَلامَ المَسِيحِ ذَلِكَ السَّلامُ الَّذِي دُعِينَا إِلَيهِ لِنَصِيرَ جَسَدًا وَاحِدًا وَنَكُونَ شَاكِرِين (كولوسي3/13-15).
هَكَذَا أَحِبَّائِي، عِندَمَا نَنْفَضُ عَنَّا كُلَّ مَا يُؤْذِي إِخوَتَنَا وَنَعِيشَ مَا يُفرِحَهُم وَيُفرِحَنَا ساعتئِذٍ نُشبِهُ الإِبنَ الضَّال الَّذِي عَادَ إِلَى أَبِيهِ فَوَجَدَهُ أَبًا رَحُومًا وَمُحِبًّا وَنَكُونَ لِبَعضِنَا أَبًا مُحِبًّا رَحُومًا نَنْتَظِرُ بِفَارِغِ الصَّبرِ عَودَتُنَا لِبَعضِنَا فَنُسَلِّمَ عَلَى بَعضِنَا بِقُبلَةٍ مُقَدَّسَة (الاية 12).فَلنَبدَأْ خُطوَةَ الأَلفِ مِيل بِخُطوَةٍ وَاثِقَة عَارِفَينَ أَنَّ كُلَّ ما فعلناهُ لِإِخوَتِنَا هَؤُلاءِ الصِّغَار فَإِنَّنَا للهِ نَفعَلُهُ (متى 25/40).

::: الإنجيل :::

11 وَقَالَ يَسُوع: "كانَ لِرَجُلٍ ابْنَان.
12 فَقالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيه: يَا أَبي، أَعْطِنِي حِصَّتِي مِنَ الـمِيرَاث. فَقَسَمَ لَهُمَا ثَرْوَتَهُ.
13 وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَة، جَمَعَ الابْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ حِصَّتِهِ، وسَافَرَ إِلى بَلَدٍ بَعِيد. وَهُنَاكَ بَدَّدَ مَالَهُ في حَيَاةِ الطَّيْش.
14 وَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيء، حَدَثَتْ في ذـلِكَ البَلَدِ مَجَاعَةٌ شَدِيدَة، فَبَدَأَ يُحِسُّ بِالعَوَز.
15 فَذَهَبَ وَلَجَأَ إِلى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ ذـلِكَ البَلَد، فَأَرْسَلَهُ إِلى حُقُولِهِ لِيَرْعَى الـخَنَازِير.
16 وَكانَ يَشْتَهي أَنْ يَمْلأَ جَوْفَهُ مِنَ الـخَرُّوبِ الَّذي كَانَتِ الـخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، وَلا يُعْطِيهِ مِنْهُ أَحَد.
17 فَرَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَال: كَمْ مِنَ الأُجَرَاءِ عِنْدَ أَبي، يَفْضُلُ الـخُبْزُ عَنْهُم، وَأَنا هـهُنَا أَهْلِكُ جُوعًا!
18 أَقُومُ وَأَمْضي إِلى أَبي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ.
19 وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. فَاجْعَلْنِي كَأَحَدِ أُجَرَائِكَ!
20 فَقَامَ وَجَاءَ إِلى أَبِيه. وفِيمَا كَانَ لا يَزَالُ بَعِيدًا، رَآهُ أَبُوه، فَتَحَنَّنَ عَلَيْه، وَأَسْرَعَ فَأَلْقَى بِنَفْسِهِ عَلى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ طَوِيلاً.
21 فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَبي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ. وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا...
22 فَقالَ الأَبُ لِعَبيدِهِ: أَسْرِعُوا وَأَخْرِجُوا الـحُلَّةَ الفَاخِرَةَ وَأَلْبِسُوه، واجْعَلُوا في يَدِهِ خَاتَمًا، وفي رِجْلَيْهِ حِذَاء،
23 وَأْتُوا بِالعِجْلِ الـمُسَمَّنِ واذْبَحُوه، وَلْنَأْكُلْ وَنَتَنَعَّمْ!
24 لأَنَّ ابْنِيَ هـذَا كَانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد. وَبَدَأُوا يَتَنَعَّمُون.
25 وكانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ في الـحَقْل. فَلَمَّا جَاءَ واقْتَرَبَ مِنَ البَيْت، سَمِعَ غِنَاءً وَرَقْصًا.
26 فَدَعا وَاحِدًا مِنَ الغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هـذَا؟
27 فَقالَ لَهُ: جَاءَ أَخُوك، فَذَبَحَ أَبُوكَ العِجْلَ الـمُسَمَّن، لأَنَّهُ لَقِيَهُ سَالِمًا.
28 فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُل. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْه.
29 فَأَجَابَ وقَالَ لأَبِيه: هَا أَنا أَخْدُمُكَ كُلَّ هـذِهِ السِّنِين، وَلَمْ أُخَالِفْ لَكَ يَوْمًا أَمْرًا، وَلَمْ تُعْطِنِي مَرَّةً جَدْيًا، لأَتَنَعَّمَ مَعَ أَصْدِقَائِي.
30 ولـكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هـذَا الَّذي أَكَلَ ثَرْوَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ العِجْلَ الـمُسَمَّن!
31 فَقالَ لَهُ أَبُوه: يَا وَلَدِي، أَنْتَ مَعِي في كُلِّ حِين، وَكُلُّ مَا هُوَ لِي هُوَ لَكَ.
32 ولـكِنْ كانَ يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَعَّمَ وَنَفْرَح، لأَنَّ أَخَاكَ هـذَا كانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد".

(إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 15- الآيات 11 إلى 32)

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

الصَّومُ فِيهِ رَمزٌ لِعُبُورِ شَعبِ الله مِنْ أَرضِ العُبُودِيَّةِ إِلَى أَرضِ المِيعَاد، مِنْ أَرضِ المَوت إِلَى أَرضِ الحَيَاة. وَفِي هَذَا العُبُور وَاحَةٌ لِلرَّاحَة إِذَا اهتَدَى إِلَيهَا الشَّعبُ وَاستَرَاح أَمكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ مُتَابَعَةِ المَسِيرَةِ وَإِلَّا فَالمَسِيرَةُ مُهَدَّدَةٌ بَالفَشَل.

وَالكَنِيسَةُ المُستَرشِدَةُ بِإِلهَامَاتِ الرُّوحِ القُدُس وَالسَّائِرَةُ فِينَا إِلَى أَرضِ الحَيَاةِ (مَلَكُوتُ الله) وَضَعَت لَنَا فِي مَسِيرَتِنَا فِي صَحرَاءِ صَومِنَا وَاحَةً لِنَستَرِيحَ فِيهَا. فَإِن عَرَفنَا كَيفَ نَرتَاحُ عَرَفنَا كَيفَ نُتَابِعُ المَسِيرَةَ وَإِلَّا فَنَحنُ لا بُدَّ ضَالُّونَ وَبَاقُونَ فِي أَرضِ المَوت.

هَذِهِ الوَاحَة هِيَ مَثَلُ الإِبنِ الضَّال. فَبَينَ شِفَاءِ الأَبرَص وَالمَنزُوفَة وَشِفَاءِ المُخَلَّعِ وَالأَعمَى، تَضَعُنَا الكَنِيسَةُ فِي هَذَا الوَسَط أَمَامَ آيَةِ الشِّفَاءِ بالحَبّ (المَحَبَّة). فَإِذَا عَرَفنَا أَنَّهُ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ عَلَينَا أَنْ نُحِبَّ بَعضَنَا مَحَبَّةً ثَابِتَة لِأَنَّ المَحَبَّةُ تَستُرُ جَمًّا مِنَ الخَطَايَا (1بطرس 4/8) وَأَنَّ اللهَ أَحَبَّنَا هَذَا الحُبَّ فَعَلَينَا أَنْ يُحِبَّ بَعضُنَا بَعضًا(1يوحنا4/10).وَهَذِهِ المَحَبَّةُ تَتَطَلَّبُ مِنَّا أَن نَكُونَ رُحَمَاء كَمَا أَنَّ الله رَحِيم، وَلا ندين كِي لا نُدَان، وَأَن لا نَحكُمَ عَلَى أَحَدٍ فَلا يُحكَم عَلَينَا، وَأَنْ نَعفُو كَي يُعفَى عَنَّا (لوقا 6/36-37) فَنَستَطِيعُ إِذ ذَاكَ أَن نَغفُرَ لِأَخِينَا إِن تَابَ إِلَينَا حَتَّى إِلَى سَبعِ مَرَّاتٍ فِي اليَوم (لوقا7/3-4) عَارِفِينَ حَقَّ المَعرِفَة (وَهَذِهِ صَلاتُنا اليَومِيَّة ) أَن نَغفِرَ للنَّاسِ زَلَّاتِهِم، يَغفِرُ لَنَا أَبُونَا السَّمَاوِي زَلَّاتِنَا (متى 6/14-15) وَأَنَّ الله يُرِيدُ مِنَّا رَحمَةً لا ذَبِيحَة (متى 9/13) هُوَ الَّذِي أَرسَلَ ابنَهُ الوَحِيدَ إِلَى العَالَم لا لِيُدِينَ العَالَم بَلْ لِيُخَلِّصَ بِهِ العَالَم (يوحنا 3/17).عِندَئِذٍ نَنهَض كَالإِبنِ الضَّال وَنَعُودُ إِلَى الآبِ المُحِب مُعتَرِفِينَ بِخَطَايَانَا وَهُوَ أَمِينٌ بَار يَغفِرُ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ إِثمٍ (1يوحنا 1/9).

وَلا نُقَسِّي قُلُوبَنَا كَالإِبنِ الأَكبَر عَارِفِينَ أَنَّهُ مَنْ كَانَتْ لَهُ خَيرَاتُ الدُّنيَا وَرَأَى بِأَخِيهِ حَاجَةً فَأَغلَقَ أَحشَاءَهُ دُونَ أَخِيهِ لا تَكُونُ مَحَبَّةُ اللهِ مُقِيمَةٌ فِيه (1 يوحنا 3/17).إِخوَتِي الأَحِبَّاء، هَذَا المَثَلُ هُوَ بِمَثَابَةِ انطِلاقَةٍ جَدِيدَة فِي هَذَا الصَّومِ المُبَارَك. فَلنَنْطَلِق سَوِيَّةً إِلَى مَجدِ القِيَامَة نَافضِينَ عَنَّا تَعَبَ الخَطِيئَة (المُخَلَّع) غِيرَ عَابِئِينَ مِنْ رِمَالِ صَحرَائِهَا (الأعمى) وَاضِعَينَ نُصبَ عُيُونِنَا صَلِيبَ خَلاصِنَا، مُتَذَكِّرِينَ أَن نَحمِلَ صَلِيبَ المَحَبَّةِ "هَكَذَا أَحَبَّ اللهُ العَالَم حَتَّى أَنَّهُ بَذَلَ ابنَهُ الوَحِيد"(يوحنا3/16) لِنَصِلَ إِلَى مَجدِ القِيَامَة، "والشَّاطِر يَللِّي بيخَلِّص نَفسُو"(الحرديني).

::: تأمّل روحي :::

هل الحبّ يظلم؟

الإبن الأصغر
بعد طول انتظار تمّ اللقاء بين الأب وابنه الضّال، العائد إلى أحضان أبيه الّذي ولده من رحم الحبّ. لقاءٌ كللّه نور السماء بالفرح والمسامحة أمام توبة هذا الولد الكبيرة، بسكب قلبه بصدقٍ أمام أبيه. لقد وضع ذاته بين يديه كما لم يفعل من قبل، متمنّيًا أن يولد من جديد، أن يولد من فوق، أن يُعمّد، بشوقه إلى السّلام الدّاخليّ والكفاية والفرح، بحبّ الّذي لم يبخل به عليه ولو لمرّة. لقد وصل إلى شاطىء الخلاص بعدما كاد أن يموت غرقًا في بحور الدنيا، بعيدًا عن الحضن الأبويّ. لقد آمن بإمكانيّة الحياة من جديد، لكنّه لم يكن بعد يدري عظمة غفران أبيه له وما ينتظره عند عودته. لم يستطع أن يفكّر كأب رحوم، بل رضيَ بأقلّ ما هو ممكن من متطلّبات الحياة: وِزْرُ الخطيئة كان أقوى من فهمه لحبّ أبيه الكبير له.

الأب
أبٌ لم ييأس ولو للحظة وإلاّ لما كان يراقب الأفق كلّ يومٍ منتظرًا عودة ابنه. ويوم عاد، سكتت لغة العتاب والمحاسبة. فالفرحة كانت عظيمة، وتجلّت بجملةِ أوامر تختصر مدى لهفة انتظار هذه اللحظة: "أسرعوا، هاتوا أفخر الثياب، ألبسوه، ضعوا الخاتم في إصبعه، وحذاءً في رجليه، قدّموا العجل المثمّن، فنأكل، ونفرح."

الإبن الأكبر
مشكلة الأخ الأكبر هي بصيرته المحدودة. لقد رأى في رحمة والده نحو أخيه العائد، ظلمًا وبهتانًا. لم يدرك ("ما أعطيتني جديًا.." آ:29 ) أنّ يوم "قسم لهما أملاكه" (آ:12)، قد حصل هو أيضًا على نصيبه من الميراث، وكان بإمكانه أن يفرح ويتصرّف بحصّته كما يشاء هو أيضًا، بل ذهب بِعَماه إلى أبعد من ذلك ربّما: لقد خاف على حصّته، وارتبك لفكرة أن يغيّر الوالد وصيّته، فيقسم من جديد حصّة الأكبر مع أخيه "المبذّر"... ثمّ ما لبثت أن تكشّفت حقيقة مشاعره نحو أبيه: " خدمتك ولم أعص ِلك أمرًا"(آ:29)، وكأنّه كان عبدًا مقيّدًا بالأوامر، يخدم طمعًا في الحصول على تقاعدٍ (الميراث) في نهاية خدمته. لقد وضع الأبوّة والبنوّة خارج منطق العائلة الواحدة، رغم تواجده معه تحت سقفٍ واحد. لم ينظر إلى الشركة في الحبّ والعطاء، ولا المشاركة في" الخبز الواحد": لكلٍّ حصّته وشؤونه وحياته.

ماذا بعد؟
بعد قراءتنا لنصّ الإنجيل وتامُّلِنا فيه، نكتشف أنّ الآب محترمٌ لحرّيتنا، الّتي خلقنا عليها، إلى أقصى الحدود. وإلاّ لكنّا "تبَعِيّين" ملتصقين به، لكن دون أن نختاره ونحبّه كأبناء خليقين به، قادرين على العودة إليه والتمسّك به بصدقٍ إن ضللنا. ولاكتشفنا أيضًا مدى تواضعه اللامحدود تجاهنا، وفرحه الغامر في كلّ مرّة نتوب إليه. لاكتشفنا لهفته للعودة معه إلى بيته كي نتقاسم وإيّاة كل ما يملكه حتّى ولو آلمْناه بتعنّتنا وسوءِ تصرّفنا.
لاكتشفنا أن مأساة خطيئتنا تكمن في جرح قلبه الوالديّ الّذي سرعان ما يغفر لنا منتصرًا على ألمه باتّقاد عطفه وحنانه في عمق أعماقه. صابرٌ هو في انتظاره، لا يتعب ولا يملّ هذا الإله- الأب. إنّه يحيا فينا ويشعرنا بكثرة محبّته دون أن نراه، إنّما نعرفه بأبنه الوحيد يسوع المسيح الّذي أتانا من حشاه.

ماذا يبقى لنا؟
لنسأل أنفسنا الآن كيف يمكننا عيش هذا الإنجيل. يقول القدّيس بولس: "من كان في المسيح، فهو خليقة جديدة". لقد صالحنا الآب بابنه يسوع، وألبسنا الحلّة والخاتم والحذاء يوم أخذ علّتنا وعاهاتنا وعلّقها على الصّليب ثمّ قام حيّا إلى الأبد، وجعلنا "شركاءالطبيعة الإلهيّة"(2بط:1,4).ما علينا إذن سوى اتّخاذ القرار في القيام بالخطوة الأولى نحوه، مهما كنّا ضالّين، وهو يتكفّل بالباقي كلّه. فلقد أعدّ لنا وليمة الفرح، وذراعاه مفتوحتان ينتظرنا كي يحضننا ونتشارك معه خبز الحياة، فيكون لنا في ذاتنا " كلّ فرحه".

::: نوايا وصلاة شكر للقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- نصلّي من أجل رعاة كنيستك، مار بينديكتس السادس عشر بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكي، ومار جورج بوجودة مطراننا، مع سائر الأساقفة والكهنة والمكرّسين على اسمك القدوس، كَي يستَعملوا سُلطانهم، على مثال بولس، لِلبُنيان وليس للهَدم، فَتُضحي رَعاياهم قويّة، صالحة، تفرح بالحق، نسألك يا رب.
2- الابن الأصغَر، رجع لِنَفسِه، رأى عَوَزَه، قارنهُ بما لأبيه، فقرَّر القيامَ والمَضيَّ إلى والده للاعتذار؛ نصلّي إلى كلِّ من لم يَرجع إلى نفسه بعد، ولَم يَرَ ما لدَيكَ مِن نِعمٍ وبركات، كَي يَقفَ وَقفةَ قبولٍ للذات ويَلتَجئَ إليك طلبًا للغفران، نسألك يا رب.
3- عندما قرّر الابن الأصغر العَودة إلى المنزل، قرّر بينه وبين نفسِه، نتيجة هذا اللقاء، وهو أن يكون أجيرًا عند أبيه؛ أعطنا أن نفهم أنّ الجزاء يَصدرُ منك وحدك وبِحَسب رَحمتك وليسَ عن استحقاقٍ منّا، فلا نَحكم نحن على أنفسنا ولا حتّى على الآخرين، نسألك يا رب.
4- مِن أجل كلّ من خدمك منذ سنين طوال، ولم يُعصِ لك أمرًا، أعطه أن يفهم أنّ وجوده بقربك ومعك كلّ يومٍ هو أثمن من العجل المُسَمّن، وأن يَعيَ أنّ ما هو لك من خيرٍ ورَحمةٍ هو له أيضًا كي يَعملَ على استثمارهم مع كلّ ضالٍّ ، نسألك يا ربنصلّي من أجل كلّ من فارقوا هذه الحياة، لا تنظر إلى كَيفيّة تبديد مالِهم ووَزَناتهم بعيدًا عنك، بل انظر إلى ابنك الوحيد الذّي بقيَ بقربك طائعًا لك حتّى الموت، موت الصليب، غافرا لنا ولهم الخطايا والزلات.


صلاة شكر للقدّاس

الشكر لك يا رب، لأنّك أمينٌ وعادلٌ ورحيم، أمينٌ لأبوّتك، عادلٌ بِقِسمَتِك، ورحيمٌ على أبنائك،
الشكر لك دائمًا أبدا، على جسدك ودمك الأقدسَين، زادًا تمنحه لنا، كي نبقى أقوياء، أوفياء لا لومَ علينا،
الشكر لك على جمالك الفريد، الذي بِصًمتِه يُظهر نواقِصَنا، وبِفَيضِ محبّته يُزيلها،
الشكر لك على رحمتك التي لا تنتهي وعلى فَيض حبّك الذي لا ينضَب لك الشكر والحمد والمجد، أيّها الآب والابن والروح القدس، من الآن وإلى الأبد، آمين.

عدد القراءات: 3776