مقالات ليتورجيّة

الكاتب:

الأب داني قريو السالسي

المصدر:

موقع أبونا

التّاريخ:

الأحد 27 آذار 2011

الأحد الثالث من الزمن الأربعيني.. اللقاء المصيري (27 آذار 2011)

إنجيل هذا الأحد يقدم لنا لقاءً رائعاً بين يسوع والسامرية، بين رجل نزيه، عفيف، وبين امرأة خاطئة عاهرة! "وكان يسوع قد تعب من المسير". أيضاً يسوع كان متعباً في يومٍ من الأيام، كان منهكاً من دون طاقة، من دون قوة. كان محتاجاً للماء، كان يريد أن يروي ظمأه وكان يطلب! كان بحاجة لأن يشرب! إنَّ يسوع مثلما كان إلهاً حقاً كان أيضاً إنساناً حقاً. كان يتعب أحياناً كسائر البشر، كان يبكي أحياناً، كان يعظ ولايجد إيماناً من سامعيه، فكان يحزن... كان يشعر بالحاجة لأن يختلي، لأن يصعد الجبال، لأن يذهب إلى أماكن غريبة (السامرة)، كان بحاجة لأن يزور أصدقاءه (مريم ومرتا ولعازر) ويرتاح عندهم.

عادة عندما ينتهي شحن الموبايل، يجب أن نعيد شحنه وإلا لن يعمل. وهكذا نحن أيضاً. أحياناً نشعر بأننا متعبون، مرهقون، من زخم الحياة وهمومها، وبحاجة لأن (نشحن أنفسنا) نرتاح وإلا لن نستطيع مواصلة المسيرة. أنا بحاجة لأن أتوقف برهة وإلا سأنهار وأتحطم. بحاجة الى بعض الحب والحنان لأشعر بقيمتي، وإلا سأصاب بخيبة أمل. بحاجة لأن أصلي وإلا ستذبل نفسي وتموت. ليس عدلاً ولا حقاً أن نعمل من دون توقف وإلا سنفني نفوسنا من دون وعيٍ. لهذا عليَّ أن أعي أني بحاجة للحظات من الراحة، للحظات من الهدوء، للحظات من الحياة، من الفرح. وإن تابعت في عملي وفي نشاطي من دون توقف عليّ أن أتساءل لماذا لا أتوقف؟!.

هامٌ جداً أن نرى أنَّ يسوع كان بحاجة! وعندما كان محتاجاً، طلب. إنَّ الحاجة تجعلني أشعر بعجزي، تجعلني أشعر بأنّي شحاذ، متسول، أمد يدي للآخر. تجعلني أشعر بأني ضعيف، هش، غير قادر... ولكن نحن لا نريد هذا. لانريد أن نظهر هكذا. نريد أن نكون أقوياء، مكتفين بذواتنا، قادرين على تلبية حاجاتنا بأيدينا... لكنّ هذا دليلٌ قاطعٌ على كبريائنا وعجرفتنا! عندما أكون منهكاً، مرهقاً فإني بحاجة لأن أفرغ توتري، بحاجة لمن يسمعني ويساندني في محنتي، بحاجة لمن ينير لي دربي... لكن هذا ليس بالأمر السهل، لأنّه عليّ أن أتعرى أمامه، أن أبوح له عما يؤلمني، أن أقول له علانية أني ضعيف وبحاجة اليك. وهذا يتطلب مني جرأة وحرية. وكأنّي أقول له: لست كما كنت تتصور، أنا هش وقابل للكسر! عندما أكون محتاجا للحب، للحنان، للابتسامة... عليّ أن أطلب! –إنه لأمرٌ صعب على الكثير منّا- اريد أن أكون محبوباً ومحط اهتمام الجميع، لكن دون أن أطلب!! إنَّ من لا يعترف بحاجاته، يحكم على نفسه بالموت البطيء. قبل أن أنهك علي أن أطلب: "أعطني لأشرب".

يسوع كان محتاجاً ليروي ظمأه والسامرية كانت محتاجة للحب (لحبٍ حقيقي). وبما أنَّ كليهما لم يخفيا حاجتيهما، حدث اللقاء المصيري لكليهما. وجد يسوع الإيمان حيث لا وجود للإيمان (كما يقال عن السامرة) والسامرية التقت بالذي كانت تبحث عنه منذ زمنٍ بعيد.

إنَّ يسوع من أجل اتمام هذا اللقاء المصيري "وكان عليه أن يمر بالسامرة" يتخطى كل الحواجز. حاجز: الجنس (الرابي، كان عليه ألا يتحدث لأي أمراة خارج بيته حتى زوجته) حاجز: العرق (كان اليهود يعتبرون السامريين من الأنجاس لأنهم اختلطوا مع غير اليهود "الآشوريين") حاجز: الجنسية (كانوا يعتبرونهم غرباء) حاجز: الدين (كانوا منشقين عن الدين الارثوذكسي) حاجز: الأحكام المسبقة (أن يتكلم شاب مع فتاة عند البئر معناه أنّه يغازلها- إما أنَّه يريد الزواج منها أو يريد إغراءها و...). ومع هذا يسوع يكسر العادات ويتخطى كل هذه الحواجز. لهذا نجد أنَّ التلاميذه صُدموا "وصل عندئذ تلاميذه، فعَجبوا أنّه يكلم امرأة".

كان يسوع رجلاً حراً لهذا استطاع أن يجري لقاءات رائعة ومصيرية. مَن ليس حراً فهو سجين. سجين نفسه، سجين أفكاره ومعتقداته، سجين آراء ونظرات الآخرين. تخطى يسوع كل الحواجز لم يقل أبداً "هذا نعم، وهذا لأ!" لم يقل أبداً ماذا سيقول الناس؟ أو سمعت أنّهم يقول عنه أنه رجلٌ غني (زكا) لن أدخل بيته. لم يقل هذه امرأة مشبوهة السمعة (الزانية، السامرية). لم يقل هذا لص (متى العشار). لم يقل هذا تمنعه الشريعة (الشفاء في السبت) لم يقل هؤلاء هراطقة (السامريون)... كان رجلاً حراً –الحرية لا تعني التسيب- أن تكون حراً يعني أن لا تكون مقيدا بالأحكام المسبقة، بحديث الشارع. أن تكون حراً أي ألا تسمح للعادات والمعتقدات أن تمنعك من الالتقاء بالانسان، بالحياة، بالسعادة.

تم لقاء يسوع مع السامرية عند البئر. البئر في الكتاب المقدس هو مكان لقاء الحب والغرام: راحيل تلتقي بمرسل ابراهيم، يعقوب يلتقي رفقة، موسى يلتقي بزبورة... بالتالي من الطبيعي أن نفهم تعجب المرأة: "كيف تسألني أن أسقيك وأنت يهودي وأنا مرأة سامرية؟" -الحديث عند البئر يعني مغازلة الصبايا واجتذابهنَّ- يسوع لم يرد أن يهديها! لم يقل لها: انظري إلى نفسك، ألا تخجلين من ذاتك؟ أنتم الهراطقة، المنشقون! لم يتلفظ بأي نوع من هذا الكلام، إنّما أخذها على وضعها، قبلها كما هي. أحتضن حياتها المضطربة، حاول أن يروي ظمأها إلى الحب الحقيقي الذي تفتقده. هذه عظمة يسوع أن يقبل الآخر كما هو، على علته، بالرغم من تلطخه بكل شيء. هناك قصة من التراث الروسي تقول: أن ابن فنان مشهور كان يرفض حياته ويتذمر منها. لم يكن يتقبل طبعه الحاد، طوله الزائد، عائلته... وفي يوم عيد ميلاده السادس عشر، أهداه والده حفنة من الطين، لم تكن سوى صلصالاً أحمر ممزوجاً مع الماء. فعندما شاهدها، غضب جداً من والده، وقال: أي نوعٍ من الهدايا هذا؟ فما كان من الأب إلا أن أخذ هذا الصلصال وبدأ يشكله بين يديه مزخرفاً فيه أروع النقوش وعندما انتهى بدأ بتلوينه حتى أصبح تحفة فنية. ثم قال لابنه: ماذا كان سيحدث لو رميتها مع النفاية؟ فأجابه: لما استطعت خلق هذه الآية من الجمال. فرد عليه الأب قائلاً: حياتك التي هي كهذا الصلصال لا ترميها في النفاية.

في بداية الحديث يسوع يتكلم مع المرأة عن الماء الحي: "لو كنت تعرفين عطاء الله ومن هو الذي يقول لك: اسقيني، لسألته أنت فأعطاك ماءً حياً" لكنها لم تفهم فكانت تظن أنهم يتكلم عن ماء البئر "لا دلو عندك والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحي؟" لكنه رويداً رويداً يحملها للوصول إلى مركز حياتها إلى ان تطلب هي منه هذا الماء "يارب، اعطني هذا الماء" وهنا يضرب الوتر الحساس "اذهبي فادعي زوجك وارجعي إلى هنا" فتجيبه بكل عفوية وصراحة "ليس لي زوج" فيثني يسوع على صراحتها "أصبت ... فقد كان لك خمسة أزواج، والذي عندك الآن ليس بزوجك" كانت تملك ستة ومع هذا لم يرتوي غليلها، مازالت عطشى! تملك أزواجاً كثر لكن لاتملك الحب، لديها عشاق كثر لكن ليس لديها الحب الحقيقي. المسألة ليست مسألة عدد! خمسة، ستة ولكن غير راضية، مازالت عطشى، مازالت في بحث، لأنه هناك فراغ في حياتها. لم يشبعها واحد، بحثت عن آخر ثم آخر... علها ترتوي، ولكن كان وهم كل ماكانت تنتظره. لم تحصل على الحب الذي كانت تبتغيه. ممكن أنها كانت تبحث في المكان الخطأ، أو عند الشخص الخطأ. أجل –قالت السامرية- لدي ستة ورغم كل هذا أنا حزينة، أهرب من بنات البلد، اتجنب لقائهن –لاتخرج عند الفجر لتملأ الماء كعادة بنات البلد-!! من يلتقي بيسوع يصبح قادر أن يرى ذاته، بدل أن يهرب منها. لا يمكن أن تلتقي بيسوع وتختبئ من ذاتك. وحين تلتقي بذاتها تبدأ مسيرة النمو مسيرة الإيمان. ترتفع لتسأل عن الإيمان: طيب أين يمكنني أن أصلي: "أين يجب التعبد هنا أم في أورشليم؟" لكن يسوع يجاوب على الكيف "العباد الصادقون يعبدون الآب بالروح والحق" بهذه الاجابة شعرت بنوع من السعادة، فبدأت تطلب متى سيأتي المسيح ويكلمنا عن هذه الأمور. وهنا يجيبها يسوع قائلاً: "أنا هو" عند سماعها هذه الكلمة تركض وتترك جرتها، لأنّها لم تعد بحاجة إليها، فقد ارتوى ظمأها، أصبحت هي ينبوع ماء حي، أصبحت ماءً للآخرين مبشرة لكل السامريين. أمس كانت تخاف أن يرونها، اليوم تخرج هي للقائهم. بفضل كلامها تؤمن المدينة كلها، ويفعلون ما فعلت ويكتشفون أنّه: ليس مجرد يهودي، أو أعظم من يعقوب، أو نبي كبير أو حتى المسيح. أنما يقولون: "فقد سمعناه نحن وعلمنا أنّه مخلص العالم حقاً".

إنّ الرب يقبلنا كما نحن بأعذارنا وبضعفنا، ويحاول أن يساند قلة إيماننا حتى نصل إلى علاقة حقيقية مع ذواتنا ومعه فتنفذ السعادة إلى قلوبنا ونصبح ينبوع ماء حي يفيض ويفيض ولا ينضب أبداً. (يو4، 5-42).

عدد القراءات: 3977