مقالات ثقافيّة

الكاتب:

هالة حمصي

المصدر:

جريدة النّهار اللّبنانيّة

التّاريخ:

الإثنين 28 آذار 2011

هــــــل مــــــار مــــــارون مــــــاروني ؟

هل مار مارون ماروني؟ السؤال قد يثير شيئا من الاستغراب، او ضحك البعض، لكنه من دون شك يفتح صفحات لوجه "راهب ناسك" كان "فلاحا الهيا"، اشتهر في زمنه وبعده، لسيرة حياته واعماله والشفاءات التي قام بها، بما افضى الى تعارك اهل منطقته على جثمانه بعد موته، أَرَّخ له احد معاصري تلك الحقبة الزمنية.
في الزمن الذي نشأ فيه مار مارون، كانت الحغرافيا السياسية للمنطقة التي عاش فيها، وتحديدا سوريا، مختلفة جدا عما هي عليه اليوم. "فسوريا الشمالية قسمت اداريا آنذاك ثلاثة اقسام: سوريا الاولى او الجوفاء وحاضرتها انطاكيا، سوريا الثانية او الطيبة وحاضرتها أفامية، وسوريا الثالثة او الفراتية وحاضرتها هيرابوليس او منبج. وتقع قورش، او قورس، المنطقة التي عاش فيها مارون، غرب سوريا الفراتية، وشمال سوريا الاولى، على نحو "مسيرة يومين" من انطاكيا الى الشمال الشرقي، وعلى نحو 70 كيلومترا من حلب الى الشمال الغربي. وكانت ارضا منبسطة في شكل واد فسيح تحيط بها جبال قليلة الارتفاع وقمم متتابعة لا تتجاوز علياها 800 متر...".
ولمزيد من التوضيح، فان سوريا كانت تعني "المكان الذي كانوا يتكلمون فيه السريانية، وفي انطاكية كانوا يتكلمون اليونانية والسريانية"، يشرح الاستاذ في كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدكتور في الآداب والعلوم الانسانية الخوري ناصر الجميل لـ"النهار". وما جذور اسم القديس مارون سوى انعكاس واضح لتلك البيئة التي عاش فيها. فـ"مارون اسم سرياني ورد بصيغة التصغير من مار، ومعناه السيّد"(1).
البحث في حياة مارون يصطدم بشح في المعلومات. فاول ذكر له ورد في رسالة بعث بها القديس يوحنا الذهبي الفم من منفاه في مدينة كوكوزا –ارمينيا نحو العام 404-405، الى "مارون الكاهن الناسك"، سائلا اياه ان يذكره في صلواته. وبعد نحو ربع قرن، جاءت شهادة اسقف قورش ثيودوريتوس(2) (423-458) لتشكل مرجعا اساسيا لتكوين صورة عن القديس. "زينة في خورس القديسين الإلهيين، معلم نساك القورشية وابوهم، الزارع لله في جوار قورش..." بهذه التعابير وغيرها وصفه، واخبر عن ميزاته ومواهبه الروحية والشفائية الالهية.


ماذا يعرف عنه ايضا؟

- يرجح انه ولد في منتصف القرن الرابع، نحو العام 350. ولا شيء مذكور عن والديه او اخوته، او نشأته وتعليمه. "لا نعرف اي شيء عن عائلته، وما اذا كان تعلم في الجامعات الانطاكية آنذاك. كل ما نعرف عنه انه كان راهبا ناسكا. وتحديد الراهب هو الساعي نحو الكمال المسيحي"، يقول الجميل.
- يختلف المؤرخون حول منشأ مارون، بين قائلين انه ولد في قورش- لا في جوار انطاكيا- وانه مات فيها، وفقا للاب لامنس، بينما يعتقد آخرون ان ولادته كانت في زبد، في جوار معرة النعمان في سوريا او في قنسرين (دراسة تاريخية للاب بطرس ضو).
- اتخذ مارون له، وفقا لثيودوريتوس، "رابية... حيث كان هيكل للشياطين، فحوّل ما فيه الى عبادة الله، ثم ابتنى لنفسه صومعة حقيرة يلجأ اليها في ظروف نادرة". غير ان كلام ثيودوريتوس افتقر الى معلومات جغرافية دقيقة، فلم يحدد في اي جزء من قورش تنسك مارون، ولا اي رابية اختارها لصومعته.
- يختلف ايضا المؤرخون حول المكان الذي تنسك فيه مارون: الاب لامنس حدده بانه "كان على احدى تلك القمم في منطقة قورش، وتحديدا في الجبال المتسلسلة جنوب شرق قورش على طريق حلب". غير ان المطران بطرس ديب يجعل المنسك على "جبل في منطقة افامية في سورية الثانية". وثمة مؤرخون يقولون ايضا ان "مكان منسكه يدعى اليوم جبل سمعان، وآخرون يشيرون الى منطقة قريبة منه تدعى البارسا - داغ، وكانت تحوي تلالا يدعى القسم الاكبر منها جبال نابو"(3).
- توفي مارون العام 410، قبل 13 عاما من تولي ثيودوريتوس (393) اسقفية قورش. ويكتب الاسقف ان مارون توفي، "بعدما انتابه مرض بسيط اودى بحياته". ويشير الى قيام "نزاع شديد بين القرى المجاورة رغبة في الاستيلاء على جثمانه. وكانت على الحدود بلدة كثيرة الرجال اقبلت باسرها وبددت الآخرين وانتزعت منهم ذلك الكنز المرغوب فيه، فشيدوا له عندهم مقاما فخما... وهم منذ ذلك الوقت يكرمون هذا المظفر العظيم بمهرجان شعبي". وتلك البلدة كانت براد الواقعة جنوب قورش.
مكرَّم الكنيسة الجامعة
في توصيف اضافي، "كان مار مارون من الامبراطورية البيزنطية الشرقية التي عاصمتها بيزنطيا... كان من كنيسة انطاكيا"، يقول الجميل. واذا كانت السريانية اللغة المتداولة في زمنه، فان الطقوس الكنسية التي مارسها كانت "طقوسا كنسية انطاكية، تقليدا انطاكيا مشتركا. ويمكن ايجادها اليوم عند السريان والروم الكاثوليك والموارنة والروم الارثوذكس، الذين هم جميعا انطاكيون. ففي فلسفة الطقس، اكان بيزنطيا ام سريانيا، كانت هيكليته عينها، مع بعض الطعم المميز لكل مجموعة، اكان في القداس ام الرتب ام الصلوات"، يشرح.
امر آخر يميز شخص القديس مارون، ويجمع حوله مختلف الكنائس الانطاكية، لاسيما في السؤال عن انتمائه الكنسي والروحي: هل كان ارثوذكسيا ام سريانيا ام مارونيا ام كاثوليكيا؟... والتأكيد الماروني في هذا المجال ان "مارون هو قديس الكنيسة الجامعة، اذ لم تكن الانشقاقات الكبرى في الكنيسة حصلت بعد على ايامه. انه مكرم لدى كنيسة انطاكية، وهو من التقليد المشترك لكنائس انطاكيا"، يقول الجميل. ويذهب الى ابعد، الى القول "ان مارون لم تكن له حتى علاقة بتأسيس الكنيسة المارونية، اذ من بعده جاء تلاميذه ورهبان اتخذوا منه قدوة وعاشوا على طريقته، وسمّوا انفسهم "رهبان بيت مارون"، واسسوا ادياراً كثيرة حملت اسمه". الكنيسة المارونية تحتفل بعيد "ابيها" في 9 شباط من كل سنة.
وحتى موقف الكنيسة الارثوذكسية الانطاكية، التي تعيّد لتذكار القديس مارون في 14 شباط من كل سنة، واضح. "مرجعها الوحيد" لسيرة مار مارون، وفقا لسنكسار "كتاب سير القديسين" الكنيسة الأرثوذكسية للارشمندريت توما بيطار، هو ايضا ثيودوريتوس اسقف قورش. وصفة "القديس الجامع للكل" ترسو عليه بامتياز. يقول المدرّس في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي – جامعة البلمند الأب بسام ناصيف ان "مارون ينتمي الى الكنيسة الجامعة، وليس حكراً على جماعة مسيحية من دون اخرى، اذ توفي قبل زمن الانشقاقات الكبرى في الكنيسة. وهو ابن هذه المنطقة التي تضمها كنيسة انطاكية وسائر المشرق".
والتكريم الذي تخص به الكنيسة الارثوذكسية مار مارون خاص، "وتمدحه في صلواتها"، على قول ناصيف، "مرتلة له الطروبارية الآتية: "لقد أذبلتَ تلذُّذ الجسد، بما يطابقُ اسمكَ يا مارونُ المتوشِّحُ بالله، فظهرتَ إناءً مصطفى للروح. فأنت توزِّعُ للجميع مواهبَ شفاءِ الأجساد والنفوس. لذلك نكرِّمُ تذكاركَ الشريف، هاتفين: المجدُ لمن وهبكَ القوَّة، المجد للذي توَّجكَ، المجدُ للفاعلِ بكَ الأشفية للجميع".

(1) كتاب "مار مارون" – فؤاد افرام البستاني - دار المشرق.
(2) كتاب "تاريخ اصفياء الله".
(3) "ناسك القورشية" - الخوري انطوان الدويهي - المكتبة البولسية.

عدد القراءات: 3557