مقالات ليتورجيّة

المصدر:

موقع بلدة القبيات الإلكتروني

التّاريخ:

الخميس 31 آذار 2011

الأحد الخامس من الصوم الكبير: أحد شفاء المخلّع
(03 نيسان 2011)
أيقونة شفاء المخلّع
أيقونة شفاء المخلّع

::: مقدّمة :::

• في الأحد الرّابع من الصوم، نتأمّل مع الكنيسة في مفهوم التخلّع...
• ففي رسالة اليوم وهي من الرّسالة الأولى إلى تلميذه طيموتاوس، يحذّرنا مار بولس من بعض أسباب التخلّع الرّوحي "الـمُجادلاتِ والـمُمَاحَكَات" ويعدّد لنا بعضاً من نتائجها "الـحَسَدُ والـخِصَامُ والتَّجْدِيفُ وسُوءُ الظَّنّ والـمُشَاجَرَاتُ... ".
• أمّا في الإنجيل، فيدعونا مار مرقس إلى تأمّل لوحة شفاء المخلّع ولا سيّما دور الرّجال الأربع في تأمين وصوله إلى يسوع الّذي منحه الشّفاء، روحيّاً وجسديّاً.
يشكّل النصّان لوحةً متكاملة تؤكّد على ضرورة الرّجاء بأنّ الربّ سيشفينا من تخلّعنا، مهما كانت أسبابه أو تعدّدت نتائجه، إذا ما قبلنا بأن نسلّم حياتنا إلى من يقودنا إليه بمحبّة ومجّانيّة... فإلى كلّ مُرسَل يعمل بصمت، كالرّجال الأربعة، ليقود النّاس إلى يسوع، تحيّة نضرة...

::: صلاة :::

في هذا الأحد المبارك، نشكرك يا ربّ، على كنيستك التي تحملنا إليك، بتعاليمها وأسرارها، كلّما هبّت في حياتنا رياح التخلّع الرّوحي أو الماديّ...
ونشكرك على كلّ شخصٍ وضعته في طريقنا سنداً للإيمان وشاهداً للمحبّة ومُحفّزاً على الرّجاء.
نسألك اليوم ألّا نكون، في حياتنا، سبباً لتخلّع النّاس بل خدّاماً صالحين يحملون إليك كلّ من أقعده تخلّعه فابتعد أو أبعِدَ عنك، فنستحقّ أن نكون كالرّجال الأربعة، فعلة خير في كرم محبّتك، يا من تحيا وتملك إلى الأبد، آمين.

::: قراءة خاصّة بزمن الصوم :::

أفراهاط الحكيم الفارسي قال عن الصوم:
"يا لعظمة الصوم!
ثمين هو الصوم الطاهر أمام الله، وهو محفوظ ككنزٍ في السماء.
الصوم سلاح أمام الشرير، وترس نقابل به سهام العدو.

صوم روحي!
يوجد من يصوم عن اللحم والخمر وبعض المأكولات، ويوجد من يصوم ليقيم سياجًا لفمه، فلا ينطق بكلمات شريرة.
ويوجد من يصوم عن الغضب، ويضبط شهوته فلا تغلبه.
ويوجد من يصوم عن المقتنيات، ليجرد نفسه من عبوديتها.
يوجد من يصوم عن النوم، فيكون ساهرًا في الصلاة...
يوجد من يصوم ليصير تائبًا، فيرضى ربٌه بندامته.
ويوجد من يجمع هذا كله، ويجعل منه صومًا واحدًا...
من يصوم عن هذا كله ويجيز لنفسه واحدة منها في وقت من الأوقات لا يُحسب له صومه... من نذر على نفسه أن يصوم عن هذا كله وأخذ يحلل لنفسه الواحدة بعد الأخرى تكون خطيئته عظيمة.
إن لم توجد نقاوة القلب لا يُقبل الصوم. تذكر أيها الحبيب أنه من الأفضل للإنسان أن ينقّي قلبه ويحفظ لسانه ويحجم يديه عن الشر... إذ لا يليق بالإنسان أن يمزج العسل بالعلقم. فإن صام الإنسان عن الخبز والماء لا يمزج صومه بالتجاديف واللعنات. واحد هو باب بيتك الذي هو هيكل الله، فلا يليق أن يخرج منه الزبل والوحل في باب يدخل منه الملك.
حين يصوم الإنسان عن القبائح ويتناول جسد المسيح ودمه فلينتبه إلى ابن الملك الذي دخل في فمه، فلا يجوز لك أن تخرج من فمك كلمات نجسة."

::: الرسالة :::

24 مِنَ الـنَّاسِ مَنْ تَكُونُ خَطَايَاهُم وَاضِحَةً قَبْلَ الـحُكمِ فِيهَا، ومِنهُم مَنْ لا تَكُونُ واضِحَةً إِلاَّ بَعْدَهُ.
25 كذلِكَ فَإِنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ هِيَ أَيضًا وَاضِحَة، والَّتي هيَ غَيرُ واضِحَةٍ فَلا يُمْكِنُ أَنْ تَبْقَى خَفِيَّة.
1 على جَمِيعِ الَّذِينَ تَحْتَ نِيرِ العُبُودِيَّةِ أَنْ يَحْسَبُوا أَسْيَادَهُم أَهْلاً لِكُلِّ كَرَامَة، لِئَلاَّ يُجَدَّفَ عَلى اسْمِ اللهِ وتَعْلِيمِهِ.
2 أَمَّا الَّذِينَ لَهُم أَسْيَادٌ مُؤْمِنُونَ فلا يَسْتَهِينُوا بِهِم، لأَنَّهُم إِخْوَة، بَلْ بِالأَحْرَى فَلْيَخْدُمُوهُم، لأَنَّ الـمُسْتَفِيدِينَ مِن خَدْمَتِهِم الطَّيِّبَةِ هُم مُؤْمِنُونَ وأَحِبَّاء، ذلِكَ مَا يَجِبُ أَنْ تُعَلِّمَهُ وتَعِظَ بِهِ.
3 فَإِنْ كَانَ أَحدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا مُخَالِفًا، ولا يَتَمَسَّكُ بالكَلامِ الصَّحِيح، كَلامِ ربِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح، وبِالتَّعْلِيمِ الـمُوَافِقِ للتَّقْوى،
4 فهُوَ إِنسَانٌ أَعْمَتْهُ الكِبْرِيَاء، لا يَفْهَمُ شَيْئًا، بَلْ مُصَابٌ بَمَرَضِ الـمُجادلاتِ والـمُمَاحَكَات، الَّتي يَنْشَأُ عَنْهَا الـحَسَدُ والـخِصَامُ والتَّجْدِيفُ وسُوءُ الظَّنّ،
5 والـمُشَاجَرَاتُ بينَ أُنَاسٍ فَاسِدِي العَقْل، زَائِفِينَ عَنِ الـحَقّ، يَظُنُّونَ أَنَّ التَّقْوى وَسيلَةٌ لِلرِّبْح.
(1طيم 5\24-6\5)

::: تأمّل من وحي الرسالة :::

فِي الأَحَدِ الخَامِس مِنْ زَمَنِ الصَّوم المُبَارَك، الَّذِي هُوَ أَحَدُ المُخَلَّع وَمِنْ خِلال هَذَا المَقطَع مِنَ الرِّسَالَة إِلَى طِيمُوتَاوُس، لِنَنْظُر ِإخوَتِي بِجَدِّيَّةٍ قُصوَى إِلَى عُمقِ كِيَانِنَا، أَلا نَجِدُ فِيهَا الكَثِيرَ مِنَ التَّخَلُّعِ عَلَى الصَّعِيدِ الإِجتِمَاعِي والرُّوحِي؟
وَلْنَنْظُر بِذَاتِ النَّظرَةِ الجَدِّيَّةِ إِلَى كُلِّ مَاهُوَ حَولَنَا، أَلا نَجِدُ ذَاتَ التَّخَلُّعَ فِي عِيَالِنَا وَمُجتَمَعِنَا وَكَنِيسَتِنَا وَدُوَلِنَا وَفِي كُلِّ العَلاقَاتِ؟
وَالسُّؤَال مَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ الجَوَابُ وَاضِحٌ، لِأَنَّنَا جَمِيعُنَا ابْتَعَدْنَا عَنِ الله وَعَنْ تَعَالِيمِهِ وَلَمْ نَعُدْ نَهتَمْ إِلَّا لِمَا نَحنُ بِحَاجَةٍ إِلَيهِ مِنْ مَادِيَّاتٍ وَسَعَادَةٍ شَخصِيَّةِ وَلَمْ تَعُدْ آذَانُنَا تَسْتمِعَ إِلَّا إلى صَوتَ السِّيَاسَةِ وَالإِنقِسَامَاتِ والطَّائِفِيَّةِ، وَابتَعَدنَا بِهُمُومِنَا عَنِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ خَلاصِنَا يَسُوعَ المَسِيح. فَصَحَّ فِينَا قَولُ بُولُسَ "أَعْمَتْنَا الكِبرِيَاءُ وَلَمْ نَعُدْ نَفهَمُ شَيئًا، وَأَصبَحنَا مُصَابِينَ بِمَرَضِ المُجَادَلاتِ وَالمُمَاحَكَاتِ وَلَمْ نَعُدْ نَعِيشُ إِلَّا فِي الحَسَدِ وَالخِصَامِ وَالتَّجدِيفِ وَسُوءِ الظَّنّ"، وَهَذَا الوَضْعُ المَأْسَاوِي الَّذِي وَصَلنَا إِلَيهِ أَلا يَتَطَلَّبُ مِنَّا أَنْ نَصرُخُ مَعَ صَاحِبِ المزمُورِ "إِرحَمنِي يَا الله فَلا قُوَّةَ لِي وَاشْفِنِي يَا رَبّ فَإِنَّ عِظَامِي قَدْ تَزَعزَعَتْ وَنَفسِي اضطَرَبَتْ كَثِيرًا، عُدْ يَا رَبّ وَنَجِّ نَفسِي وَلِأَجلِ رَحمَتِكَ خَلِّصْنِي" (مزمور 6/3-5).
فَلْنَعُدْ إِخْوَتِي لِلتَّمَسُّكِ بِالكَلامِ الصَّحِيحِ، كَلامُ رَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيح، هَذَا الكَلامُ الَّذِي كُتِبَ فِي أَربَعَةِ أَنَاجِيل، لِنَقرَأْهَا وَلنَجْعَلْهَا كَالأِربَعَةِ الَّذِينَ حَمَلُوا المُخَلَّعَ، فَنَصِلَ مِنْ خِلالِهِمْ إِلَى يَسُوعِ وَنَنَالَ الشِّفَاءَ. فَنَعُودَ إِلَى ذَوَاتِنَا، مُتَصَالِحِينَ مَعَهَا وَنضكُونُ عَلَى مَا يَقُولُ عَنَّا الرَّبّ "أَنتُم مِلحُ الأَرض ... أَنتُم نُورُ العَالَم"(متَّى 5/13-16)، وَنَستَحِقَّ الطُّوبَى الَّتِي قَالَهَا الرَّبّ "طُوبَى لِمَنْ يَسمَعْ كَلِمَةَ اللهِ وَيَحفَظُهَا"(لوقا 11/28). وَنَقُولُ مَعَ صَاحِب المَزمُور "فِي الطَّرِيقِ المُستَقِيمِ قَامَتْ رِجلِي وَفِي الجَمَاعَةِ أُبَارِكُ الرَّبَّ" (مزمور26/129)، فَنَرَى مَجدَ الرَّبِّ وَبَهَاؤُهُ فَنُقَوِّي الأَيدِي المُستَرخِيَة وَنُشَدِّدُ الرُّكَبَ الوَاهِنَةَ (أشعيا35/3)، فَحِينَئِذٍ يَقفِزُ الأَعرَجُ كالأَيِّل (أشعيا35/6) وَنُمَجِّدُ الرَّبَّ.

::: الإنجيل :::

1 وبَعْدَ أَيَّامٍ عَادَ يَسُوعُ إِلى كَفَرْنَاحُوم. وسَمِعَ النَّاسُ أَنَّهُ في البَيْت.
2 فتَجَمَّعَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنْهُم حَتَّى غَصَّ بِهِمِ الـمَكَان، ولَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لأَحَدٍ ولا عِنْدَ البَاب. وكانَ يُخَاطِبُهُم بِكَلِمَةِ الله.
3 فأَتَوْهُ بِمُخَلَّعٍ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ رِجَال.
4 وبِسَبَبِ الـجَمْعِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الوُصُولَ بِهِ إِلى يَسُوع، فكَشَفُوا السَّقْفَ فَوْقَ يَسُوع، ونَبَشُوه، ودَلَّوا الفِرَاشَ الَّذي كانَ الـمُخَلَّعُ مَطْرُوحًا عَلَيْه.
5 ورَأَى يَسُوعُ إِيْمَانَهُم، فقَالَ لِلْمُخَلَّع: "يَا ابْني، مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك!".
6 وكانَ بَعْضُ الكَتَبَةِ جَالِسِينَ هُنَاكَ يُفَكِّرُونَ في قُلُوبِهِم:
7 "لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هـذَا الرَّجُلُ هـكَذَا؟ إِنَّهُ يُجَدِّف! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ الـخَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟".
8 وفي الـحَالِ عَرَفَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُم يُفَكِّرُونَ هـكَذَا في أَنْفُسِهِم فَقَالَ لَهُم: "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهـذَا في قُلُوبِكُم؟
9 ما هُوَ الأَسْهَل؟ أَنْ يُقَالَ لِلْمُخَلَّع: مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك؟ أَمْ أَنْ يُقَال: قُمْ وَاحْمِلْ فِرَاشَكَ وَامْشِ؟
10 ولِكَي تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا أَنْ يَغْفِرَ الـخَطَايَا عَلَى الأَرْض"، قالَ لِلْمُخَلَّع:
11 "لَكَ أَقُول: قُم، إِحْمِلْ فِرَاشَكَ، واذْهَبْ إِلى بَيْتِكَ!".
12 فقَامَ في الـحَالِ وحَمَلَ فِرَاشَهُ، وخَرَجَ أَمامَ الـجَمِيع، حَتَّى دَهِشُوا كُلُّهُم ومَجَّدُوا اللهَ قَائِلين: "مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هـذَا البَتَّة!".
(مر2 /1-12)

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

هَذَا المَشهَدُ الإِنجِيلِي هُوَ مَشهَدٌ مُمَيَّزٌ جِدًّا عَنْ بَقِيَّةِ الآيَاتِ وَالشِّفَاءَات، فَنَرَى فِيهِ المُتَكَلِّمَ الوَحِيد هُوَ يَسُوع ( وَكَانَ يُخَاطِبُهُم بِكَلِمَةِ الله). وَأَمَامَ هَذَا المَشهَدِ المُمَيَّز، نُرِيدُ مَعَكُم يَا إِخوَتِي أَنْ نَقرَأَهُ قِرَاءَةً مُمَيَّزَةً، قِرَاءَةٌ بَينَ السُّطُور لِنَرَى أَو لِنَفتَرِضْ حَدِيثًا مَا بَينَ المُخَلَّع وَالأِربَعَةِ رِجَالٍ، لِنَفهَمَ سِرَّ هَذَا الإِنجِيل، لِنَفهَمَ سِرَّ الإِيمَان.
فَالإِنجِيلُ لَمْ يَقُل عَنِ المُخَلَّع أَنَّهُ أَبكَم أَو أَصَمّ أَو أَنَّهُ لا يَشعُر وَلا يَتَفَاعَل مَعَ أَحدٍ، جُلَّ مَا بِهِ أَنَّهُ مُخَلَّع.
لِهَذَا نَستَطِيعُ أَنْ نَقُول أَمراً مِنِ اثنَين أَوِ الإِثنَينِ مَعًا :
1- أَنْ يَكُونَ المُخَلَّعُ مِنْ خِلالِ حَاجَتِهِ (أَلَمِهِ) وَعَدَمِ إِمكَانِيَّتِهِ الوُصُولِ إِلَى يَسُوع قَدْ طَلَبَ مِنْ أَحَدٍ أَنْ يِحمِلَهُ ِإلَى يَسُوع، وَالرِّجَالُ الأَربَعَة وَافَقُوهُ الطَّلَب.
2- أَنْ يَكُونَ الرِّجَالُ الأَربَعَة هُمِ الَّذِينَ، وَبِمُبَادَرَةٍ شَخصِيَّةٍ مِنهُم، قَدْ عَرَضُوا أَنْفُسَهُم عَلَى المُخَلَّع لِيَأْخُذُوهُ إِلَى يَسُوع لِيَنَالَ الشِفَاءِ وَلَمْ يَرفُضْ لَهُم طَلَبْ.
وَالطَّرِيقَتَينْ أَوصَلَتَا المُخَلَّعَ إِلَى يَسُوع.
مِنْ هُنَا أَحِبَّائِي، كَيفَ نَرَى ذَاتَنَا فِي هَذَا اِلإنجِيل ؟
هَلْ نَرَى ذَوَاتَنَا مُخَلَّعِينَ (بِالإِيمَانِ، بِالمَحَبَّةِ، بِالخِدمَةِ، بِالمُصَالَحَةِ...) وَنَرَى حَاجَةً فِينَا لِلشِّفَاءِ وَلِعَدَمِ إِمكَانِيَّتِنَا (خَوفِنَا، خَجَلِنَا، جَهلِنَا...) نَطلُبُ وَبِتَوَاضُعٍ مِنْ أَحَدٍ أَنْ يُسَاعِدَنَا فَيَحمِلَنَا إِلَى الآبِ لِنَشفَى، أَوْ أَنْ نَنْزِلَ عِندَ رَغبَةِ أَحِبَّاءٍ لَنَا يَهتَمُّونَ لِأَمرِ خَلاصِنَا فَيَحمِلُونَا لِنَيلِ الشِّفَاء؟
وَفِي الحَالَتَينِ مَطلُوبٌ أَمرٌ وَاحِدٌ مُهِمٌّ جِدًّا هُوَ حُرِّيَّتُنَا وَطَوَاعِيَّتُنَا وَإِيمَانُنُا بِذَاتِنَا وَبالجَّمَاعَةِ وَبالرَّبِّ (اللهُ الَّذِي خَلَقَنَا بِدُونِ إِرَادَتِنَا لا يُخَلِّصَنَا بِدُونِ إِرادَتِنَا، فَاللهُ يَحتَرِمُ حُرِّيَتَنَا).
وَلِنَفهَمَ سِرَّ الإِيمَانِ عَلَينَا أَحِبَّائِي أَنْ نَعرِفَ بِأَنَّ هُنَاكَ أَربَعَةُ أَسرَارٍ (رِجَال) مِنْ خِلالِهِم توصِلنا الكَنِيسَةُ (الجَمَاعَةُ) إِلَى يَسُوع ألا وهي أسرار التنشئة: المَعمُودِيَّة، التَّثبِيت، المُصَالَحَة والإِفخَارِستِيَّة.
فَالمَعمُودِيَّةُ هِيَ سِرُّ الوِلادَةِ الجَدِيدَةِ مِنَ المَاءِ وَكَلِمَةِ الله.
وَبالتَّثبِيتِ يِتَوَثَّقُ ارتِبَاطُنَا بِالكَنِيسَةِ بِالرُّوحِ القَدَس.
وَالإِفخَارِستِيَّةُ هِيَ سِرُّ التَّقوَى وَعَلامَةُ وَحدَةٍ وَرِبَاطَ مَحَبَّةٍ فِيهَا نَتَنَاوَلُ المَسِيحَ غِذَاء.
وَفِي المُصَالَحَةِ، نَتَصَالَحُ مَعَ اللهِ وَذَوَاتِنَا وَالكَنِيسَةِ (الجَمَاعَةِ).
فَلنَتَشَجَّع ِإخوَتِي وَنَنْزَع سَقفَ الخَجَلِ وَالخَوفِ وَالتَّرَدُّدِ وَالامُبَالات ... لِنَصِلَ مِنْ خِلالِ الكَنِيسَةِ الَّتِي تَحمِلُنَا بِالأَسرَارِ إِلَى يَسُوع، فَنَنَالَ نِعمَةِ الشِّفَاءِ. وَنَذهَبَ إِلَى بَيتِنَا فَنُشَارِكَ اللهَ بِالخَلقِ (سِرُّ الزَّوَاجِ) وَإِعلانِ البِشَارَةِ (سِرُّ الكهنُوتِ) حَامِلِينَ فِرَاشَنَا (صَلِيبَنَا) وَسَائِرِينَ وَرَاءَ الرَّبِّ إِلَى مَجدِ القِيَامَةِ.

::: تأمّل روحي :::

وخلق الله الإنسان حرّاً؟!

... وخلق الله الإنسان حرًا، قادرًا على اتّخاذ القرار بنفسه، حتى وهو خالقه ومانحه من روحه الرّوح، لم يلزمه بشيءٍ ولم يقيّده بامرٍ.
أمّا "الآدميّ"، فقد استغلّ حبّ الخالق، فتاجر بالحرّية الممنوحة له في "السّوق السوداء" الّتي سلبته إيّاها، ورمَته مخلّعًا في فقر النّفس (الأنانيّة)، والغيرة من الله، فسقط في تعظيم ذاته: كيف لا أكون مثل الله، ذو سلطانٍ، وآمرًا ناهيًا؟
لكنّ رحمة الآب انتشلته من هوّة الهلاك، أعادت إليه الحياة والحركة الصّحيحة، وفتحت عينيه على الخلاص بشخص ابنه يسوع المسيح، الّذي "أعطي كلّ سلطان على الأرض وفي السّماء".
بمن نؤمن؟ نحن اليوم بأيّ مسيحٍ نؤمن؟
هل بذاك الّذي يشفي منّا الأجساد، والمزيل عنّا الإعاقات كي نعود إلى مسرح الحياة نسرح ونمرح في حقولها الوسيعة؟
أم نؤمن بيسوع الشّافي داخل نفوسنا من ظلمة وظلم الخطيئة، المُعيد السّلام إلى قلوبنا والبصيرة بدل ضلالنا؟
إن عبدناه لمصلحة رغباتنا الآنيّة، واستغنينا عن شفاء النّفس، فنحن لسنا سوى نُزَلاء ليلٍ لا ينتهي، في قصر الحياة الموحش السّواد. أمّا إذا أردناه بكلّيته، حبيبًا، رفيقًا ومخلّصًا لنا، فنكون من الّذين تسلّحوا بالإيمان والحبّ والرّجاء، مختارين ملء حياة نورانيّة تبدأ مسيرتها منذ ولادتنا بالرّوح على هذه الأرض مُكمِلةً مسيرتها إلى ما لا نهاية، مرورًا بنفق الرّقاد إلى رؤية وجه الحبيب.
ماذا نرى في الإنجيل؟
صفحات هذا الكتاب المقدّس تكشف لنا عن وجه الحبيب الحنون الغفور، وجه ابن الله الحقّ، وجه الله الّذي لم ولن يحنث بوعده، ولم يتنقّل، حسب الظّروف، بين ال "نعم" وال "لا" في مسيرة خلاصه للإنسان. هو دائمًا إله العطاء والحبّ المقدّس اللامشروط. إنّه إله ال"نعم" للحياة، دون منازع، وإله ال"نعم" للرحمة والغفران، لعطيّة الأبوّة، فيجعل منّا أبناء له بسكنى روحه في قلوبنا. هو الآب الّذي يأبى إلاّ أن توضع خمرة توبتنا الجديدة في زقاقٍ جديد فلا تُراق هباءً، بل تولِد عالمًا جديدًا، ينبت ثمار فرح ٍ وسلامٍ، صحيحة، طيّبةً وفيرةً.
نشبه المخلّع: أليس هذا ما فعله مع المخلّع؟ هذا الرّجل الّذي تكلّم مع يسوع بصمت النّظرات الصارخة: إرحمني يا أبي من "شماتة النّاس"، واشفني من خطيئتي، فتزول اللعنة عن جسدي وأستريح!
يا لموقف الرَجُلين العظيم!... تفاهم وتناغم إسراري بين "المخلّع والمخلّص": متألّمٌ من سبب إعاقته، مطروح دون حراك، يعترف أمام الله وابنه، يسوع بثقل خطاياه من خلال تعابير وجهه ونظراته الدّامعة وخفقات قلبه المتسارعة، لقد كان مؤمنًا بالشفاء. أمّا يسوع، ذاك الوجه الجميل والشخص الحنون فد غاص في أعماق ألمه ورأى عذاب روحه من سخرية المجتمع والتشّفي به لأجل اعتقاداتهم "المِقصَليّة"، فناداه بكلّ عذوبة "يا بنيّ!"(آ:5)، فأعتقه من مؤبّد قساوة قومه وبهتانهم به.
كثيرًا ما نكون على هذه الحال من المخلّع، ولكن هل انتبهنا إلى حنوّ الآب ("يا ابني") نحونا؟ هل تحسّسناه بالإيمان في أعماقنا، كصديقنا المخلّع؟ ألم نلاحظ أنّه بتلك العبارة قد رمّم علاقتنا البنويّة به، مزيلاً عن كاهلنا عبء الخطيئة، موضحًا لنا السّياق الّذي أدّى إلى تلك المصالحة "مغفورة لك خطاياك"؟
لماذا شفاء الجسد؟ ما كان ذلك إلاّ من أجل أن يتمجّد الله أمام الّذين اتهموه بالمجدّف. فالمخلّع حمل أيمانه الثّابت بأنّ شفاءه قد تمّ بصمتٍ كبير في باطنه، منذ اللحظه الأولى لالتقاء نظراتهما، ونقل شكره، من القلب إلى القلب، من ابنٍ إلى ابيه، بدمعة حبٍّ أخرس وبسمة أمضى من أيّ كلامٍ تمحوه الرّيح بعد حين... فليكن لنا تواضع المخلّع وإصراره كي يسكب الحبيب خمرته الجيدة في زقاقنا الجديد فيبقى طيّبًا أبدًا لا خلّ فيه!

::: نوايا وصلاة شكر للقدّاس :::


نوايا للقدّاس

1- نصلّي من أجل رعاة كنيستك، مار بينديكتس السادس عشر بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكي، ومار جورج بوجودة مطراننا، مع سائر الأساقفة والكهنة والمكرّسين على اسمك القدوس، كَي تبارك حياتهم وجهودهم، فيَحمِلوا شعبك بِصَلَواتهم، ويبتعدَ كلّ إنسان عن الحسد والخصام والتجديف وسوء الظنّ، نسألك يا رب.
2- المُخَلَّع لم يُشفَ بِقُوّة إيمانه، بل بقوّة إيمان مَن حمله وعرف أين يَضَعه تمامًا عند يسوع، قوِّي إيماننا الضعيف، ووجّه أنظارنا دومًا باتّجاه ابنك، كي نحمل إليه، وإليه وحده، كلّ مُخلَّع في الحياة، إن كان على الصعيد النفسيّ أو الجسديّ، نسألك يا رب.
3- من أجل كلّ انسان، خلَّعته الخطيئة وأجلَسَته عن القدوم إليك، ضَع فيه قوّتك، فيترك عاداته وأفكاره، وينطلقَ حرًّا باتّجاهك، نسألك يا رب.
4- نصلّي من أجل وَطَننا المُخَلّع لبنان ومن أجل المسؤولين فيه، كي يَحملوه في قلوبهم ويساهموا معًا لِبُنيانه، رافضين كلّ مَن يَسعى لِدماره، نسألك يا رب.
نذكر كلّ مَن فارقَ هذه الحياة، إستَقبلهُ في دياركَ، ولا تنظُر إلى قوّة التخلّع في جسده، بل إلى قوّة المحبّة التي يَكنّها له ابنك، حتى صُلبَ من أجل تبريره، غافراً لنا وله الخطايا والزلات.

صلاة شكر للقدّاس

لأنّك الدواء الشافي لِبَرَصِنا، لِنَزفنا، لِضَلالنا، ولِتَخَلُّعِنا،
لأنّك تغوص معنا وبنا إلى العُمق، فتُدرِك خفايا نفوسنا، وتغفرَ آثامنا،
لأنّك تمنحُنا جسدك ودمك، عربون الحياة الأبديّة معك،
نحن يا ربّ نشكرك،
نشكرك اليوم، وكلّ يوم؛ نشكرك برعايتنا لِلآخرين، وبِسَعيِنا لِحَملِهم صَوبَك،
نشكرك ونَحمَدُك أيّها الآب والابن والروح القدس، من الآن وإلى الأبد، آمين.


______________________________________________________________________________________________________________________________________


المقدّمة والصلاة وترجمة القراءة الرّوحيّة من إعداد

الخوري نسيم قسطون

(منسّق النشرة)

أفكار من وحي الرسالة والتأمّل من وحي الإنجيل
من إعداد

الخوري جوزيف هلال

(خادم رعيّة الأربعين شهيد – القبيات الغربيّة)


التأمّل الروحي من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى

نوايا وصلاة شكر للقدّاس من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

عدد القراءات: 5547