مقالات ليتورجيّة

الكاتب:

الأب بيتر مدروس

المصدر:

موقع أبونا

التّاريخ:

السبت 02 نيسان 2011

الأحد الرابع من من الزمن الأربعيني: ابن البشر يُعيد البصَر إلى عميان البصائر بالشرائع والشعائر (03 نيسان 2011)
الأب بيتر مدروس
الأب بيتر مدروس

تقرأ الكنيسة هذا الاحد في الطقس اللاتيني الانجيل الطّاهر للرسول الحبيب يوحنّا حيث يسرد البشير الملهَم أن الرب يسوع فتح عينَي رجُل وُلد أعمى. ولا عجب لانّ المسيح الكلمة هو "النور" الذي "ينير كل إنسان" آت إلى الدّنيا وهو الذي جاء إلى العالم نورا (عن يوحنا 8: 12 ، ثم 12: 46). هو الكلمة الخالقة التي أمرت "ليكن نور" وبها "كان كل شيء"، فيها أي في المسيح الكلمة "كانت الحياة والحياة نور النّاس" (عن تكوين 1: 1 وتابع ، يوحنّا 1: 1-7).

يلتقي يسوعُ رجُلا وُلد ضريرا وقد كسر قلب الكفيف الضرّ والعناء منذ أتى إلى هذا الفاينة وما "رأى فيها النور". وكيهوديّ ترنّم مع جدّ المسيح داود النبيّ الملك :"فيك يا رب ينبوع الحياة وبنورك نبصر النور!" (36 (35): 10) وكانت تلك الكلمات حُلما عنده محال المنال! ولطالما انتظر بلا نتيجة "النبيّ "المسيح الموعود الذي "يفتح عيون العميان".

تبدأ عناية يسوع بضريرنا المسكين بحركة يبقى المر في حيرة من أمرها: يتفل النّاصريّ، ولا يبدو التّفل ممنوع شرعا يوم السّبت، خصوصا إذا مارسه عبرانيون على رموز مسيحية أو "وثنية". في العالم القديم استخدم بعض السّحَرَة التّفل في حين ظنّ آخرون أنّه رتبة تنتقل فيها حياة من الشّافي إلى المريض (عن تاشيتوس مثلا)، وربّما فهم الامر هكذا بعض معاصري السيد المسيح (عن مرقس 8: 23).

يجبل بسوع من تفلته طينا وهو "جابل آدم" منذ البدء. وتكتب المصادر القرآنية أن المسيح خلق بإذن الله من الطّين كهيئة الطّير. ما كان الطّين لينير عينَي ضرير بل ربّما كان يزيد الطّين بلّة والعمى عجزا! ولكنّ الرجُل الشقيّ يقبل ما يقوم به يسوع "وعيناه مغضمتان" بإيمان "أعمى". من جهة أخرى ما بقي له شيء يفقده ولا قيمة لشيء من غير النّظر.

لا يروق فعل يسوع للفرّيسيّين الّذين يرون فيه "خاطئا" يدنّس السّبت بجبله الطّين. وينسون أو يتناسون أنّ النبيّ الجليليّ أعاد البصر أخيرا إلى إنسان عاجز، بمعجزة لا يمكن أن تتمّ على أيدي عاص أو أثيم. ولكن لا تراجع عند اللّئيم ولا شفاء للقلب السّقيم، إلاّ إذا أقرّ بالناصريّ العظيم!.

نعم، تمّت الاية المبينة بعدما اغتسل ضريرنا في بركة سلوام (سلوان) المعروفة شعبيا باسم "عين ستّي مريم". واللفظة العبرية "شيلواح" التي تقابلها اليونانية "سيلوام" - تعني "المرسَل". يرى الانجيلي الحبيب يوحنا -بإلهام من الله- أنّ يسوع هو هو المرسَل الذي يُرسِل إلى بركة الارسال الرجُل الذي كان أعمى منذ مولده. واليوم لا وجود مسيحي فلسطيني في سلوان التي يعلو تلّة فيها دير للروم الارثوذكس من غير رعية. وعلى سلوان يتنازع مواطنون فلسطينيون ومستوطنون يريدون السيطرة على المكان. والواقع أن البشرية تبقى ضريرة مكفوفة البصيرة إن لم تقبل تعليم السيد المسيح وخلاصه هو الذي نجانا من كل فئوية وعنصرية وتمييز ونادى بالاخوّة الشاملة عند بني "آدم" المجبول طينا من تراب الارض وحوّاء التي لها ضلع في كيانه. وببقى المتمسّك بالقوانين متزمّتا رافضا أن يبصر النور عندما تعميه الشرائع والشعائر من سبت ووضوء وتعقيدات ربابينية يختبيء من ورائها ليرفض المعجزة السّاطعة كنور الشمس في وضح النهار!.

يلجأ الفريسيون إلى الترهيب والتهديد وإعادة التحقيق والسؤال لعلّهم يجدون في أجوبة الرجُل ثغرة! ويستحلفونه كأنّ اعترافه بيسوع كفر بالعزّة الالهيّة: "هب مجدا لله" - وهي عبارة تقابلها في العربية "وحّد الله". وفعلا يتوهّم الملايين أن الاقرار بيسوع تعدّ على الذّات الالهية!.

يرفضون مشيحانية يسوع وسيادته ويتشبّثون بموسى وشريعته خصوصا الطقسية الخارجية. وهذا حال كثيرين لا يريدون أو لا يقدرون أن يقرّوا بيسوع مسيحا وفاديا وسيّدا.

أضاء ظلماتنا السيد المسيح وبدّد ديجور آثامنا (عن مزمور 40 (39): 14) وأنانيتنا واستعلائنا وعنصريتنا وأهوائنا وأطماعنا وعواطفنا الجيّاشة وميولنا الجارفة المعمية للبصائر! ولنسألنّ الله الذي بكلمته "أمر أن يشرق من الظلمة نور أن يشعّ في قلوبنا نور معرفة مجد الله الذي على وجه المسيح" (الثانية إلى القورنثيين 4: 6).

عدد القراءات: 4640