مقالات ليتورجيّة

الكاتب:

الأخ سالم يونس الفرنسيسكاني

المصدر:

موقع أبونا

التّاريخ:

الأحد 03 نيسان 2011

الأحد الرابع من الزمن الاربعيني: أنا نور العالم (03 نيسان 2011)
أنا نور العالم
أنا نور العالم

"وبينما هو سائر رأى رجلا أعمى منذ مولده"

على العكس من غيرها من المعجزات، فإنّ هذه قد صنعها يسوع دون ان يُطلب اليه ذلك بل كان هو صاحب المبادرة؛ "رأى يسوع رجلا أعمى" وانطلاقا من هذه الفكرة، استطيع ان أصلّي انا ايضا، فيسوع "يرى "شدائدي وضيقاتي.

"فسأله تلاميذه: "رابي، من خطىء، أهذا ام والداه ،حتى وُلِد أعمى؟ فأجاب يسوع: "لا هذا خطىء ولا والداه، ولكن كان ذلك لتظهر فيه أعمال الله يجب علينا، ما دام النهار، أن نعمل أعمال الذي ارسلني فالليل آت، ولا يستطيع احد ان يعمل فيه ما دمت في العالم، فأنا نور العالم"

إنّ سؤال التلاميذ، هو سؤالنا نحن ايضا وهو السؤال الذي يُطرح دائما وفي كل زمان فنحن نبحث عن تفسير للألم ونتمنّى العثور على من نحمّله المسؤولية (المذنب) كان القدماء يكتفون بنظرية قديمة وبسيطة ترى انّ الألم (الشرّ) يتأتّى من الخطيئة أمّا يسوع ،فهو يرفض طرح المسألة على هذا النحو ومع ذلك فهو لا يقترح تفسيرا آخر للألم (للشرّ): فالألم يبقى غير مقبول ولا مبَرّر وردّة الفعل الوحيدة والطبيعية والأكثر انسانية، هي في العمل على ازالة هذا الألم (الشر) بكل ما نستطيع من قوّة.

ولا يمكن للمعركة ضدّ الألم ان تكون بلا جدوى أو ان تؤول آلي الإخفاق، لأنّ يسوع يكشف لنا انها معركة الله؛ ومن أجل هذه المعركة، "أُرْسِلَ" يسوع أُرْسِل؟ من أرسله؟ ومن اين يأتي يسوع هذا؟ إنّ مسألة "أصل" يسوع هي من الأهمية بمكان لدرجة انها ظاهريا، تتطلّب نهاية العالم كله: فهو يعرف انه سيموت وانّ "الليل آت"، وانّ عليه ان يعمل "طالما هو في العالم" هذا الموت الذي يراه عبر حقد اعدائه (يوحنا 7/19-32-44 8/59) وسيكون في موته انتصار ظاهري للظلام (يوحنا 13/30) ولا يمكن للظلمة ان تُدرك النور ولا ان توقفه (يوحنا 1/5-9 )... فشكرا لك يا يسوع يا من تنير ظلماتنا.

"قال هذا وتفل في الأرض، فجبل من تُفاله طينا، وطلى به عيني الأعمى ثم قال له: اذهب واغتسل في بركة سلوام "اي الرسول" فذهب فاغتسل فعاد بصيرا"

انه وصف محسوس نستشفّ منه وجود شاهد عيان هو يوحنا وكان القدماء يعتقدون انّ لتُفال بعض الأشخاص قيمة (طبية) شفائية ولكننا نكتشف هنا مرة أخرى عبقرية يوحنا، اللاهوتي الرمزي واللاهوتي المختص بالأسرار نعم، فهذا الأعمى منذ ولادته يرمز الى ما هو ابعد من وضعه الشخصي المؤثّر، انه وبحق يرمز الى البشرية التي تعيش في الظلام لكونها لم تعرف يسوع ولم ترَ معنى لآلامها وكذلك، فإنّ بركة سلوام، وعلاوة عن مائها الحقيقي الموجود في أورشليم، هي ترمز بالفعل الى المعمودية التي "تُطّهر وتنير".

غير انّ ما يلفت نظر يوحنا الللاهوتي، ليست هي المعجزة فقط (والتي رُويت باختصار في ثلاثة اسطر) بل الإشارة الرمزية التي يعطيها يسوع عن نفسه والتي يشير اليها الإسم الغامض لهذه البركة: "سلوام" والتي تعني الرسول ولكن من الذي ارسله؟.

إنّ شخصية هذا الرسول، يسوع، تثير اسئلة وشكوكا ومواقفا وجدالات: فمن هو؟ إذ ليس هناك من رجل اثار مثل هذا الكمّ من التساؤل! ولماذا؟ وأي قَدَرٍ سيكون قَدَره؟ وما ان تتمّ معجزة شفاء الأعمى، حتى يخرج يسوع من المشهد ولكنّ "دعوى" غيابية غريبة ستُثار ضده من خلال الشخص الذي كان موضوع إحسان يسوع وسنشهد اربعة تحقيقات متوالية نلمس من خلالها سوء النية يظهر أكثر فأكثر ولكن في النهاية ،سيتدخّل يسوع مثيرا الدعوى ضدّ أعدائه:

• الدعوة الأولى: "فقال الجيران والذين كانوا يرونه من قبل، لأنه كان شحاذا: "أما هو ذاك الذي كان يقعد فيستعطي؟" ومنهم من قال: "إنه هو" ومنهم من قال: "لا، بل يشبهه" أمّا هو فكان يقول: "انا هو" فقالوا له: فكيف انفتحت عيناك؟" فأجاب: "إنّ الرجل الذي يقال له يسوع جبل طينا فطلى به عيني وقال لي: اذهب الى سلوام فاغتسل فذهبت فاغتسلت فأبصرت"، فقالوا له: "أين هو؟"، قال: "لا أعلم". اذن فالجيران هم من اجرى أوّل تحقيق: ما الذي حصل؟ وكيف حصل؟ ومن فعل ذلك؟ فحتى الآن ما زلنا في مجال الفضول الطبيعي والمتعاطف وفي ايامنا ايضا، هناك الكثير من معاصرينا الذين لا يهتمّون بيسوع إلاّ بهذا القدْر يعاينون حدثا ولكنهم لا يريدون تعقيد الأمور ويكتفون بهذا أمّا فيما يتعلّق بالأعمى الذي شُفي ،فهو كمن يأتي من بعيد وقد أشرنا الى انه لا يعرف شيئا عن يسوع.

• الدعوة الثانية: "فذهبوا الى الفريسيين بذاك الذي كان من قبل أعمى وكان اليوم الذي فيه جبل يسوع طينا وفتح عيني الأعمى يوم سبت فسأله الفريسيون ايضا كيف ابصر فقال لهم: جبل طينا على عيني ثم اغتسلت وها إني أبصر فقال بعض الفريسيين: "ليس هذا الرجل من الله، لإنه لا يحفظ شريعة السبت"، وقال آخرون: "كيف يستطيع خاطىء ان يأتي بمثل هذه الآيات؟"، فوقع الخلاف بينهم فقالوا ايضا للأعمى: "وأنت ماذا تقول فيه وقد فتح عينيك؟، قال: "إنه نبي".

انقسم رأي الجماهير في يسوع فالبعض "معه" والآخرون "ضده" والرجل ذو الإرادة الطيبة أي الأعمى، بدأ يتحوّل ببطء وبالتدريج. ويجب ألاّ ننسى أنّ الخصوم من المحققين هم الذين دفعوه الى ذلك بدون قصد منهم طبعا فنسمعه يؤكّد الان: "انه نبي"... فساعدنا يا رب لكي ننمو في الإيمان.

• الدعوة الثالثة: "على انّ اليهود لم يصدّقوا انه كان أعمى فأبصر، حتى إستدعوا والديه فسألوهما: "أهذا ابنكما الذي تقولان انه وُلد أعمى؟ فكيف أصبح يبصر الآن؟ فأجاب والداه: "نحن نعلم انّ هذا ابننا، وانه وُلد أعمى أمّا كيف أصبح يبصر الآن، فلا ندري، ومن فتح عينيه فنحن لا نعلم اسألوه إنه مكتمل السن، سيتكلم هو بنفسه عن أمره"، وإنما قال والداه هذا لخوفهما من اليهود، لأنّ اليهود كانوا قد اتّفقوا على ان يُفصل من المجمع من يعترف بأنه المسيح.

ها نحن اذن امام موقف آخر يتّخذه الناس من يسوع، انه التهرّب! فهم يرفضون ان يطرحوا على انفسهم بعض الأسئلة التي يمكن ان تصبح مدعاة للشبهة ألستُ واحدا من هذه الفئة من الناس؟ التي تتقاعس عن فعل ما يلزم، حتى لا يسبب لها ذلك بعض المشاكل!

• الدعوة الرابعة: "فدعوا ثانية الرجل الذي كان أعمى وقالوا له: "مجّد الله، نحن نعلم انّ هذا الرجل خاطىء، "فأجاب: "هل هو خاطىء لا أعلم، وانما اعلم اني كنت أعمى وها إني أبصر الآن"، فقالوا له: "ماذا صنع لك؟ وكيف فتح عينيك؟"، أجابهم: "لقد قلته لكم فلم تصغوا، فلماذا تريدون ان تسمعوه ثانية؟، أتراكم ترغبون في ان تصيروا انتم ايضا تلاميذه؟. فشتموه وقالوا: "أنت تلميذه، أمّا نحن فإننا تلاميذ موسى. نحن نعلم انّ الله كلّم موسى، أما هذا فلا نعلم من اين هو"، أجابهم الرجل: "فعجيب الا تعلموا من اين هو وقد فتح عيني نحن نعلم انّ الله لا يستجيب للخاطئين، بل يستجيب لمن إتّقاه وعمل بمشيئته ولم يُسمَع يوما انّ أحدا من الناس فتح عيني من وُلد أعمى فلو لم يكن هذا الرجل من الله، لما استطاع ان يصنع شيئا"، فأجابوه: "أتعلّمنا انت وقد وُلدت كلّك في الخطايا؟"، ثم طردوه".

ويزداد الفريسيون استغراقا في اسلوبهم: "انهم يعلمون"! ونسمعهم كثيرا يكرّرون هذه الكلمة التي تشير الى رضاهم على انفسهم وباعتمادهم على التقليد، يرفضون التطوّر إذ كيف لهم ان يقبلوا "الجديد" الذي ياتيهم به رجل ينتهك حرمة السبت، لأنّ هذا سيهدّد اسلوبهم العقائدي وهم بالتالي يرفضون الوضوح، ويرتكبون الخطيئة الوحيدة الموجودة في انجيل يوحنا وهي رفض الإيمان أي ان يكونوا غير مؤمنين عن قصد وتصميم مغلقين اعينهم حتى لا يروا سرّ يسوع.

وتجدر الإشارة الى الإستخدام الدقيق لفعل"علِم"


1. فالأهل "يعلمون" انّ هذا الولد هو ابنهم ولكنهم لا يريدون "ان يعرفوا" من هو الذي فتح عينيه وذلك حتى لا يثيروا شبهة الفريسيين بهم (9/20-21).

2. الفريسيون "يعلمون" انّ يسوع خاطىء، "ويعلمون" انّ الله قد كلّم موسى ولكنهم لا يريدون "ان يعرفوا" من اين جاء يسوع (9/24-29).

3. امّا العمى فهو "لا يعلم" اين ذهب يسوع، ولا يعلم اذا كان يسوع خاطئا ولكنه "يعلم" انه قد شُفي "ويعلم" انّ الله لا يستجيب للخاطئين (9/12-25-31).

ونحن، هل نبحث عن الحقيقة؟ وهل نحن متمترسون خلف معارفنا؟ وهل نحن مشتاقون الى معرفة اكبر! وان نفتح عيوننا العمياء؟.

"فسمع يسوع انهم طردوه، فلقيه وقال له: "اتؤمن بابن الإنسان؟"، أجاب: "ومن هو يا رب، فاؤمن به؟"، قال له يسوع: "قد رأيته، هو الذي يكلّمك"، فقال: "آمنت يا رب وسجد له"

ففي حين تمسّك الفريسيون بجهلهم، لم يكفّ الأعمى عن النمو في الإيمان فنلاحظ انّ هذا الإيمان ما كان ليبلغ القمّة لولا مبادرة يسوع وسؤاله صحيح انّ اسئلة الخصوم قد جعلت الأعمى يتقدم نحو الإيمان، ولكن الجهر الحقيقي بالإيمان، لم يحصل إلاّ "باللقاء" الشخصي بيسوع.

ونحن! هل ينمو ايماننا على غرار هذا الأعمى الذي فتح عيناه على السر رويدا رويدا ولكن بازدياد!، ففي البداية، كنّا امام رجل يدعى "يسوع" (9/11) ثم نكتشف فيه "نبيا" (9/17)، واخيرا نرى فيه "ابن الإنسان" (9/35) و"الرب" (9/38) انّ هذا البائس قد وجد السعادة الحقّة وفرح الإيمان بعدج ان كان اعمى منذ مولده،مهمل من الهل والجيران ومطرود من الهيكل.

فقال يسوع: "إني جئت هذا العالم لإصدار حكم: ان يُبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون"، فسمعه بعض الفريسيين الذين كانوا معه فقالوا: "افنحن ايضا عميان؟"، فقال لهم يسوع: "لو كنتم عميانا لما كان عليكم خطيئة ولكنكم تقولون الان: اننا نبصر، فخطيئتكم ثابتة"

الأدوار تنقلب؛ ولم تعد الخطيئة قائمة في المكان الذي وضعها فيه الفريسيون الذين كانوا يحتقرون هذا الخاطىء القذر الموسوم "منذ ولادته" ومن ثمّ، فإنّ العمى الحقيقي لم يعد ايضا في المكان الذي وضعوه فيه! فهم العميان الحقيقيون، لأنهم الوحيدون الذين يرفضون ان يروا ما يفقأ عيونهم وتجدر الإشارة الى تأكيد يسوع بأنّ الله لا يدينهم، بل هم يدينون انفسهم ولم تفعل الدينونة إلاّ تصديق ما قرّروا فعله بحريّة؛ انها العبثية الانتحارية لرفض الايمان وقد سمعنا يسوع عندما قال لنيقوديمس: "ومن لم يؤمن به فقد دين منذ الآن وانّما الدينونة هي انّ النور جاء الى العالم ففضّل الناس الظلام على النور" (يوحنا 3/18-19).

إنّ يسوع يدفعنا الى اتّخاذ موقف؛ الى الإختيار. وفي انجيل يوحنا، نلاحظ نوعا من اللعب المستمر بالكلمات بين هذين الفعلين "رأى" و"آمن" فنحن نرى آيات تدعونا الى الايمان (يوحنا 1/5، 3/36، 4/48، 6/26-36 و40، 9/39-41، 11/45، 20/8، 20/29) ويؤكّد هنا يسوع بقوّة انّ الله لن يغفر للفريسيين عدم ايمانهم، لأنهم رأوا الآيات!: "بما انكم تبصرون فخطيئتكم ثابتة".

عدد القراءات: 4882