المقابلات العامّة

الكاتب:

روبير شعيب

المصدر:

وكالة زينيت العالميّة

التّاريخ:

الخميس 29 أيلول 2011

البابا في مقابلته العامة يستعرض محطات زيارته الرسولية الأخيرة إلى ألمانيا (الأربعاء 28 سبتمبر 2011)

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

كما تعلمون من الخميس وحتى الأحد الماضي قمت بزيارة رسولية إلى ألمانيا؛ أنا فرح، لهذا، وكما جرت العادة، أن أغتنم فرصة مقابلة اليوم لكي أراجع وإياكم الأيام الكثيفة والرائعة التي قضيتها في وطني الأم. لقد اجتزت ألمانيا من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب: من العاصمة برلين إلى أيرفورت وأيخسفلد وصولاً إلى فرايزيخ، المدينة القريبة من الحدود الفرنسية والسويسرية. أشكر الرب بشكل خاص لأجل الفرصة التي سنحها لي لكي ألتقي بالناس وأتحدث عن الله، والصلاة سوية مع الإخوة وتثبيتهم بالإيمان، بحسب المهمة الخاصة الموكلة من الرب إلى بطرس وخلفائه.

لقد تمت هذه الزيارة تحت شعار: "حيث هناك الله فهناك المستقبل"، وقد كانت عيد إيمان كبير: في مختلف اللقاءات والحوارات، في الاحتفالات وبشكل خاص في القداديس الإلهية مع شعب الله. كانت هذه اللحظات هبة غنية جعلتنا نشعر من جديد كيف أن الله يعطي حياتنا معنىً عميقًا وملئًا، لا بل هو وحده الذي يهبنا ويهب الجميع المستقبل.

بعرفان خاص أذكر الاستقبال الحار والحماسي مع الانتباه والعاطفة التي لقيتها في الأماكن التي زرتها. أشكر من كل قلبي الأساقفة الألمان، خصوصًا أساقفة الأبرشيات التي استقبلتني، لأجل الدعوة التي وجهوها لي ومن أجل ما قاموا به، مع كثرة من المعاونين، إعدادًا لهذه الزيارة. يتوجه شكري أيضًا إلى الرئيس الفدرالي وإلى جميع السلطات السياسية والمدنية على صعيد فدرالي ومحافظاتي. أنا شاكر جدًا لمن أسهموا بمختلف الأشكال في نجاح هذه الزيارة، وبشكل خاص للمتطوعين الكثر. فقد كانت بهذا الشكل عطية كبيرة بالنسبة لي، وقد ولدت فرحًا، رجاءً وزخم إيمان جديد والتزام ببناء المستقبل.

في العاصمة برلين، استقبلني الرئيس الفدرالي في مقامه ورحب بي باسم مواطنيه، معبرًا عن احترامه وعطفه نحو البابا الألماني الأصل. من ناحيتي، تحدثت باقتضاب عن العلاقة المتبادلة بين الدين والحرية، مذكرًا بعبارة للأسقف والمصلح الاجتماعي فيلهلم فون كيتلر: "كما أن الدين بحاجة للحرية، كذلك الحرية هي بحاجة للدين".

كما وتلقيت بفرح الدعوة لزيارة الـ "بوندستاغ"، وكانت تلك من أهم اللحظات في زيارتي. للمرة الأولى تحدث البابا أمام أعضاء البرلمان الألماني. بهذه المناسبة أردت أن أتحدث عن ركيزة القانون وعن حالة القانون الحر، أي عن مقياس كل حق، الذي طبعه الخالق في كيان خليقته بالذات. من الضروري أن نوسع مفهومنا للطبيعة، فنفهمها لا فقط كمجموعة من المقدرات بل أكثر من ذلك كلغة يريد الخالق من خلالها أن يساعدنا على التمييز بين الخير والشر.

ومن ثم التقيت ببعض ممثل الجماعة اليهودية في ألمانيا. وإذ تذكرت معهم الجذور المشتركة في الإيمان بإله إبراهيم، إسحق ويعقوب، ركزنا على الثمار التي حزناها حتى الآن من خلال الحوار بين الكنيسة الكاثوليكية والدين اليهودي في ألمانيا. كما وكانت لي الفرصة للقاء ببعض أعضاء الجماعة المسلمة، وتوصلنا سوية إلى الإقرار بأهمية الحرية الدينية في سبيل نمو سلمي للبشرية.

القداس الإلهي في ملعب برلين، بختام اليوم الأول من الزيارة، كانت من أكبر الاحتفالات الليتورجية التي مكنتني من الصلاة سوية مع المؤمنين ومن تشجيعهم في الإيمان. كما وفرحت بمشاركة الناس الحاشدة! في تلك الأوقات الاحتفالية والمؤثرة، تأملنا بالصورة الإنجيلية التي تتحدث عن الكرمة والأغصان، أي عن أهمية أن نكون متحدين بالمسيح لأجل حياتنا الشخصية كمؤمنين ولأجل كياننا ككنيسة، جسده السري.

المرحلة الثانية من زيارتي كانت تورينغا. ألمانيا، وتورينغا بشكل خاص، هي أرض الإصلاح البروتستانتي. ولذا من البدء أردت أن أعطي موضعًا محوريًا للحوار المسكوني في إطار هذه الزيارة، وكانت رغبتي قوية أن أعيش لحظة مسكونية في إيرفورت، لأن مارتن لوثر قد دخل الرهبنة الأغسطنية في هذه المدينة وهنا سيم كاهنًا. ولذا فرحت كثرًا في لقاء أعضاء مجلس الكنيسة الإنجيلية في ألمانيا والعمل المسكوني في دير الأغسطينيين السابق: كان اللقاء وديًا، وفي الصلاة والحوار، تقربنا بشكل أعمق من المسيح. كما ورأينا من جديد كم أن شهادة إيماننا ليسوع المسيح هي مهمة في عالم اليوم، الذي غالبًا ما يجهل الله ولا يهتم به. يجب أن يكون هناك جهد مشترك للمسير في الدرب نحو الوحدة الكاملة، ولكننا نعرف أكثر الآن أننا لا نستطيع أن نحقق من تلقاء ذاتنا لا الإيمان والوحدة التي نتوق إليها. إن إيمانًا نكونه من ذواتنا لا قيمة له البتة. الوحدة الحقة هي هبة من الرب، الذي صلى ويصلي دومًا من أجل وحدة تلاميذه. وحده المسيح يستطيع أن يهبنا تلك الوحدة، وسنكون متحدين دومًا بقدر ما نتوجه إليه ونسمح له أن يحولنا.

كما وكانت لحظة مؤثرة بالنسبة لي الاحتفال بصلاة المساء المريمية في مزار إتزلسباخ، حيث قام باستقبالي حشد من الحجاج. منذ صباي سمعت الكثير عن محافظة أيخسفلد – وهي قطاع بقي دومًا كاثوليكيًا في كل تعرجات التاريخ – كما وسمعت عن سكانها الذين قاوموا بشجاعة الديكتاتوريات النازية والشيوعية. وهكذا فرحت كثيرًا بزيارة إيخسفلد وشعبها حاجًا إلى صورة عذراء أيخسفلد العجائبية، حيث أوكل المؤمنون لعصور كثيرة طلباتهم، همومهم، آلامهم، ونالوا التعزية، النعم والبركات. ذكرت هناك القديسون الشفعاء – القديسة إليزابيت، القديس بونيفاسيوس والقديس كيليان – ومثال المؤمنين النيّر، الذين شهدوا للإنجيل خلال الأنظمة التوتاليتارية، ودعوت المؤمنين لكي يكونوا قديسي اليوم، شهودًا للمسيح، ولكي يسهموا في بناء مجتمعنا. هذا ولطالما كان القديسون والأشخاص الممتلئون من حب المسيح من يغيّر العالم حقًا. وكان مؤثرًا اللقاء المختصر مع المونسينيور هيرمان شايبرز، الكاهن الألماني الأخير الذي نجا من سجن داخاو النازي. وسنحت لي الفرصة في إيرفورت أن ألتقي بضحايا الاعتداء الجنسي من قبل رجال الدين، وأردت أن أؤكد لهم عن أسفي وقربي من ألمهم.

المرحلة الأخيرة من زيارتي حملتي إلى جنوب غربي ألمانيا، في أبرشية فرايبورغ. خصني سكان هذه المدينة الجميلة، مع مؤمني الأبرشية والحجاج الآتين من سويسرا وفرنسا ودول أخرى، باستقبال حافل. تمكنت أن أختبره أيضًا خلال عشية الصلاة مع آلاف الشباب. وفرحت لدى رؤيتي أن الإيمان في وطني الألماني له وجه شاب، وأنه إيمان حي وله مستقبل. ومن خلال طقس النور المؤثر أعطيت للشباب الشمعة الفصحية، رمز النور الذي هو المسيح، وحثثتهم قائلاً: "أنتم نور العالم". وكررت لهم أن البابا يثق بمساعدة الشباب الفاعلة: بنعمة المسيح هم يستطيعون أن يحملوا إلى العالم نار حب الله.

هذا وكان لحظة مؤثرة اللقاء مع إكليريكيي فرايبورغ. جوابًا على الرسالة المؤثرة التي وجهوها لي قبل بضعة أسابيع، أردت أن أبين لهؤلاء الشباب جمال وعظمة دعوتهم من قبل الرب وأن أقدم لهم العون في متابعة مسيرة اتباع المسيح بفرح وبشركة عميقة مع المسيح. في الإيكليريكية التقيت أيضًا بروح أخوية بممثلي الكنائس الأرثوذكسية والشرقية، والتي نشعر نحن الكاثوليك بأننا قريبون جدًا منها. ومن هذه الشركة تنبع مسؤولية أن نكون خميرة تجديد في المجتمع. كما وكان لي لقاء ودي مع العلمانيين الكاثوليك الألمان ختمت معهم سلسلة اللقاء في الإكليريكية.

كما وكان الاحتفال بالقداس الإلهي في مطار فرايبورغ السياحي لحظة هامة في الزيارة الرسولية، ومناسبة لكي نشكر من يلتزم في مختلف وجوه الحياة الكنسية، خصوصًا المتطوعين والمعاونين في مبادرات المحبة. فهم الذين يسمحون للكنيسة الألمانية أن تقدم عونها للكنيسة الجامعة، خصوصًا في أرض الرسالة.

ذكّرت أيضًا بأن خدمتهم الثمينة ستكون دومًا خصبة عندما تنبع من إيمان أصيل وحي، في شركة مع الأساقفة والبابا، في شركة مع الكنيسة. وأخيرًا، قبل رجوعي تحدثت إلى آلاف الكاثوليك الملتزمين في الكنيسة والمجتمع، مقترحًا بعض الأفكار حول عمل الكنيسة في المجتمع المتمدن، داعيًا للتحرر من القيود المادية والسياسية لنكون شفافين أمام الله.

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، لقد قدمت لي هذه الزيارة الرسولية إلى ألمانيا الفرصة المؤاتية لكي ألتقي بمؤمني أمتي الألمانية، لكي أثبتهم في الإيمان والرجاء والمحبة، وأشاركهم بفرح أن نكون كاثوليكا. ولكن رسالتي كانت موجهة إلى كل الشعب الألماني، لكي أدعوه للنظر بثقة إلى المستقبل. حقًا "حيث هناك الله، هناك المستقبل". أشكر من جديد جميع الذين مكنوا هذه الزيارة وجميع الذين رافقوني بصلاتهم. فليبارك الرب شعب الله في ألمانيا وليبارككم جميعًا. شكرًا.

* * *

نقله من الإيطالية إلى العربية روبير شعيب – وكالة زينيت العالمية

حقوق النشر محفوظة لدار النشر الفاتيكانية

عدد القراءات: 3341