مقالات ليتورجيّة

الكاتب:

مارسيل عيراني

المصدر:

موقع النّشرة الإلكتروني

التّاريخ:

الإثنين 19 كانون الأوّل 2011

تساعية الميلاد "عبادة غربية جميلة" دخلت إلى الكنيسة المارونية المشرقية تحضيرا لعيد التجسد
كتيّب تساعية الميلاد
كتيّب تساعية الميلاد

إنه عيد الميلاد يطلّ من جديد ليجدّد النفوس بالإيمان والرجاء والمحبة. إنه عيد الميلاد الذي يقول لنا على لسان الطفل المتأنّس: انهض، وابدأ من جديد. إنه عيد الميلاد الذي يملأ الكنائس والشوراع والمدن زينة ميلادية كإنعكاس لفرح القلوب بمجيء المخلص. وإلى جانب هذه الزينة والأغاني والأناشيد، تسعى الكنائس كلها لتهيئة المؤمنين لإستقبال ملك المجد وللمصالحة مع الله عبر زمن طقسي وهو زمن المجيء الذي يختلف بين كنيسة وأخرى إلا أن فحواه واحدة: التحضير لهذا العيد الكبير.

تاريخية زمن المجيء

ظهر زمن المجيء في القرن الرابع في إسبانيا وفرنسا، واتخذ في القرن الخامس الطابع الذي يشجع على التوبة كزمن الصوم الكبير، في فرنسا بشكل خاص، وكان يمتد على الأسابيع الثلاث التي تسبق عيد ظهور الرب (عيد الغطاس).
وفي روما، أدخل البابا غريغوريوس الكبير هذا الزمن في الليتورجيا، وذلك في القسم الثاني من القرن السادس، ولكن هذه الطقوس لم تكن تدفع لممارسة التقشف والتوبة. وفي القرون اللاحقة دخلت الطقوس الرومانية إلى فرنسا، وعندها تحدد زمن المجيء: رومانيّ الليتورجيا وفرنسي التقشف. وفي حوالي السنة ألف ميلادية وصلت الطقوس المجيئية الجديدة إلى روما، ومنها إلى الكنيسة كلها.
ولكل كنيسة اليوم، ليتورجيتها الخاصة وعباداتٍ طوّرتها وتقاليد وصلوات مميزة لعيش هذا الزمن الذي يدعو المسيحيين لأن يكون ساهرين متيقظين ومسارعين إلى التوبة وعمل الخير وعيش حياة المحبة.
فالكنيسة اللاتينية مثلاً، تستعد في الأيام الأخيرة قبل عيد الميلاد لهذا الحدث من خلال تساعية الميلاد، أما الكنائس المشرقية، فنجد أن لديها صلواتها الخاصة، المختلفة عن هذه التساعية، وقد حافظت عليها من جيل إلى جيل. ولكننا نجد اليوم في إحدى الكنائس المشرقية، وهي الكنيسة المارونية، تعريباً لهذه التساعية، وبدأت تصبح شيئاً فشيئاً في صلب عادات هذه الكنيسة.

تساعية الميلاد

في هذا الإطار، شرح لنا أمين سرّ اللجنة البطريركية للشؤون الطقسيّة الأب هاني مطر أن "الكنيسة المارونية هي إنطاكية، سريانية، مشرقية وعمر تراثها من عمر المسيحيين. وفي تقليدنا المسيحي، لا يوجد ما يسمى بالتساعية"، موضحاً أن "التساعية (وهي عبارة عن صلوات لمدة 9 أيام)، ليست موجودة في منطقنا الكنسي، بل أتت من الغرب، والهدف منها التأمل من خلال 9 أيام بحبل مريم العذراء بيسوع المسيح لمدة 9 أشهر".
وأشار إلى أنه "في الزمن الميلادي، كانت الكنيسة المارونية تتحضر لعيد مولد المخلص بالصوم، ولكن هذه العادات أوقفت بسبب الحروب بحيث كانت الناس تموت من الجوع، وكانت الكنيسة المارونية تتأمل كثيراً بسرّ التجسد في الفترة الأخيرة قبل عيد الميلاد، وهذه التأملات موجودة في بعض المخطوطات".
وعن سبب تلاوة صلاة التساعية في الكنائس المارونية اليوم، لفت إلى أن "عددا كبيرا من الكتب الطقسية المارونية أحرق، ومُنع الموارنة من الصلاة في عدد آخر منها، فما كان بالمرسلين الأجانب، وخصوصاً الفرنسيسكان، إلا أن يعربوا تساعيتهم من اللاتينية إلى العربية ويقدموها للموارنة ليتحضروا لزمن الميلاد"، مؤكداً أن "تصميم الصلاة هو تصميم لاتيني، ولكن الموارنة أدخلوا إليه الألحان المارونية فلونوه بلونهم الخاص".

العودة إلى الجذور

ورأى الأب مطر أن على الكنيسة المارونية اليوم العودة إلى جذورها، وهي تسعى إلى ذلك وتحلم بذلك، وهذا مبني على دعوة من الكنيسة الجامعة، الكنيسة الكاثوليكية، بعد المجمع الفاتيكاني الثاني.
ورداً على سؤال حول سبب عدم تلاوة صلاة التساعية في سائر الكنائس المشرقية، أوضح أن "الكنيسة المارونية منفتحة على كل العادات، أما سائر الكنائس المشرقية، كالروم الكاثوليك مثلاً، فهم "يحسبون الحساب لخط الرجعة"، أي عندما تتحد من جديد الأرثوذكسية والكاثوليكية، فيريدون أن يبقوا قريبين من طقوسهم الأصلية، أي الطقوس المشتركة بينهم وبين الروم الأرثوذكس، وهذه نقطة إيجابية على خط وحدة الكنائس المرتقبة ولا سيما مع الأرثوذكس"، مشيراً إلى أن "الكنيسة المارونية لم تنقسم، بل بقيت متحدة بكرسي بطرس، فلا يوجد كنيسة مارونية أرثوذكسية ومارونية كاثوليكية ومارونية بروتستانتية، ولذلك، فإننا نعيش هذا الإنفتاح الذي له إيجابيات كثيرة، وهو التعرف لعبادات أخرى وحضارات أخرى، أما سلبياته فهي أن هذه العبادات والحضارات بدأت تحل محلّ تراثنا الأصيل، فبدأنا نطلقه".
وقال: "هذه الصلوات هي جميلة، ولكنني أنا بشرقي والغرب في غربه، ويجب الحفاظ على ذلك. فالغرب ركز على هذه العبادات كردة فعل على البروتيستانتية، وما دخلنا نحن بهذا الموضوع؟". وشدد على أنه "لدينا لاهوت رائع في صلواتنا وعباداتنا"، متسائلاً: "لماذا التخلي عنه؟".
وأكد "أننا نشهد عودة إلى تراثنا عبر إدخال الصلوات المارونية شيئاً فشيئاً في الكنائس لتعود إلى ذهن المؤمنين"، داعياً إياهم، ولو مهما اختلفت طرق تحضرهم لعيد الميلاد، إلى "عدم البقاء في قشور هذا العيد، بل أن يدخلوا إلى جوهر سرّ التجسد".

عدد القراءات: 9865