مقالات ليتورجيّة

المصدر:

موقع بلدة القبيّات (لبنان)

التّاريخ:

الأحد 04 آذار 2012

نشرة الأحد الثالث من زمن الصوم: شفاء المنزوفة
فَقَالَ لَهَا يَسُوع:
فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "يا ابْنَتِي، إِيْمَانُكِ خَلَّصَكِ! إِذْهَبِي بِسَلام!".

• إنّه الأحد الثالث من زمن الصوم، ومعه نقترب أكثر من ميناء الخلاص ويوم القيامة.
• في الرسالة الثانية إلى أهل قورنتوس، نصغي إلى مار بولس يدعونا لتحويل كلّ حزنٍ في حياتنا إلى فرصةٍ للتوبة الصانعة للخلاص.
• أما في الإنجيل، فيحدّثنا لوقا البَشير عن حزنين تحوّلا إلى فرحٍ يوم وُضِعا بين يدي يسوع بإيمان جاعِلا المنزوفة تشفى والراقدة تقوم!!
نحن مدعوون إذاً، للتأمُّل في مدى الرجاء الساكن فينا وفي مدى إيماننا بقدرة الله المحرّرة والمخلّصة!

::: صــلاة :::


أيُّها الآبُ السَّماوِيّ، تَدْعونا في كُلِّ أحَدٍ إلى الإيْمانِ وَالمُشارَكَة في جَسَدِ الإبْنِ وَدَمِهِ...
نؤمِنُ أنَّنا نَأخُذُ مَعَنا زاداً يُرافِقنا طَوالَ حَياتِنا وَحَتَّى ساعَةِ مَوْتِنا.
نؤمِنُ أنَّنا نَتَحَوَّلُ يَوْماً بَعْدَ يَوم، في طَريقِ المَحَبَّةِ وَالعَطاء.
نُؤمِن أنَّنا مَحبوبون مَهما كانَت أخطاؤنا عَظيمة.
نُؤمِن أننا في كَنَفِ حُبِّكَ مَهما كانَ داخِلنا يَنزِف...
إنتَظَرْناكَ أيُّها الإبْنُ الحَبيب، فَأتَيْتَ إلَيْنا. فَتَحْتَ لَنا قُلوبَنا حينَ قَرَعْتَ الباب، وَٱسْتَقْبَلْناكَ أجْمَلَ ٱسْتِقْبال.
يا يَسوع، يا مَنْ جِئتَ تُشارِكنا أفْراحَنا وَأحْزاننا، آمالنا وَيَأسَنا، مَرَضَنا وَعافِيَتَنا... أعطِنا أن نَفرَحَ لأنَّكَ أتَيْتَ فَتَعَشَّيْتَ مَعَنا عَشاءَ المَحَبَّةِ، فَصارَ الخَلاصُ لَنا. لَكَ المَجْدُ مَعَ أبيكَ وَروحكَ القُدُّوس إلى الأبَد، آمين.

::: الرســالة :::

4 إِنَّ لي عَلَيْكُم دَالَّةً كَبِيرَة، ولي بِكُم فَخْرًا عَظِيمًا. وَلَقَدِ امْتَلأَتُ تَعْزِيَة، وأَنَا أَفِيضُ فَرَحًا في ضِيقِنَا كُلِّهِ.
5 فإِنَّنَا لَمَّا وَصَلْنَا إِلى مَقْدَونِيَة، لَمْ يَكُنْ لِجَسَدِنَا شَيءٌ مِنَ الرَّاحَة، بَلْ كُنَّا مُتَضَايِقِينَ في كُلِّ شَيء، صِرَاعٌ مِنَ الـخَارِج، وخَوفٌ مِنَ الدَّاخِل!
6 لـكِنَّ اللهَ الَّذي يُعَزِّي الـمُتَوَاضِعِينَ عَزَّانا بِمَجِيءِ طِيْطُس،
7 لا بِمَجِيئِهِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا بِالتَّعْزِيَةِ الَّتي تَعَزَّاهَا بِكُم. وقَدْ أَخْبَرَنَا بِاشْتِيَاقِكُم إِلَيْنَا، وحُزْنِكُم، وغَيْرَتِكُم عَلَيَّ، حَتَّى إِنِّي ازْدَدْتُ فَرَحًا.
8 و إِذَا كُنْتُ قَدْ أَحْزَنْتُكُم بِرِسَالتِي فَلَسْتُ نَادِمًا عَلى ذلِكَ، معَ أَنَّنِي كُنْتُ قَدْ نَدِمْتُ، لأَنِّي أَرَى أَنَّ تِلْكَ الرِّسَالَة، ولَوْ أَحْزَنَتْكُم إِلى حِين،
9 قَدْ سَبَّبَتْ لي فَرَحًا كَثِيرًا، لا لأَنَّكُم حَزِنْتُم، بَلْ لأَنَّ حُزْنَكُم أَدَّى بِكُم إِلى التَّوبَة. فَقَدْ حَزِنْتُم حُزْنًا مُرْضِيًا لله، كَيْ لا تَخْسَرُوا بِسَبَبِنَا في أَيِّ شَيء؛
10 لأَنَّ الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيْهَا، أَمَّا حُزْنُ العَالَمِ فَيَصْنَعُ مَوْتًا.
11 فَانْظُرُوا حُزْنَكُم هـذَا الـمُرْضِيَ للهِ كَم أَنْشَأَ فِيكُم مِنَ الاِجْتِهَاد، بَلْ مِنَ الاِعْتِذَار، بَلْ مِنَ الاِسْتِنْكَار، بَلْ مِنَ الـخَوْف، بَلْ مِنَ الشَّوْق، بَلْ مِنَ الغَيْرَة، بَلْ مِنَ الإِصْرَارِ عَلى العِقَاب! وقَدْ أَظْهَرْتُم أَنْفُسَكُم في كُلِّ ذـلِكَ أَنَّكُم أَبْرِيَاءُ مِنَ هـذَا الأَمْر.
(الرسالة الثانية إلى أهل قورنتوس – الفصل 7 – الآيات 4 إلى 11)

::: أفكار من الرسالة :::


في رسالته الثانية إلى القورنثيين يُعلِن بولس الرّسول أنَّنا هيكل الله الحي، فيستشهد بحزقيال وآشعيا وصموئيل وغيرهم من الأنبياء، ليوصِل إلينا مجموعة من الآيات التي تُشَكِّلُ نَشيدًا جَميلاً:
"سَأسْكُنُ بَيْنَهُم وَأسيرُ مَعَهُم، وَأكونُ إلهُهُم وَيَكونونَ شَعْبي.
لِذلِكَ اخْرُجوا مِنْ بَيْنِهِمْ وَاتْرُكُوهُم، يَقولُ الرّب.
لا تَمَسُّوا ما هُوَ نَجِسٌ، وَأنا أتَقَبَّلُكُم، وَأكونُ لَكُم أبًا وَتَكونونَ لي بَنين وَبَنات، يَقولُ الرّبُّ القَدير"...
وَيُعلِنُ بولُس الرَّسول وُعود الله إذ يَتَقَبُّل الإنسان، وَيَكونُ لَهُ أبًا، إن تَرَكَ الخَطيئَة وابْتَعَدَ عَنِ النَّجاسَة. هذه الوُعود يُعلِنها بُولس الرّسول بعدما دخل إلى قورنثس معلّمين كذبة اتّهموهُ زورًا. ولكن، بالرُّغمِ مِن كُلّ ذلك ما زال يكلّمهم ويَتَواصَل مَعَهُم ويَقول لهم بأن يَفتَحوا قلوبهم للكلمة التي يُحاول جاهدًا إيْصالها إليهم... ولكن كيف كان ذلك؟ وعلى أي أساس؟
- على أساس الثّقة الكُبرَى بِهِم: بالرّغم من الصّعوبات التي واجهها مع أبناء هذه الكَنيسة التي أسسها، لا زال هناك إيمان بالكلمة، ولا زال هناك قُلوبٌ تنبض بالمحبّة، ورَجاءٌ لا يَخيبُ بالرّب. فالصّعوبات كانت من الدّاخل والخارج، والمَخاوِف الدّاخِلِيَّة كانت كَثيرَة، ناهيك عن الأتعاب الجسديّة... وبالرُّغم من كُلّ ذلك، أتى من يُخبر بولس بثبات الكَنيسة على الإيمان وذلك كان مصدر تَعزِيَة كَبير.
- على أساس الفرح: هذه التّعزِيَة وَلَّدَت لدى بولس فَرَحًا عَظيمًا... أيُّ أبٍ لا يَفرَحُ بِأولادِهِ إن سَمِعَ عَنهُم أخبارًا سارّة؟ لقد كانت عاطِفَةُ بولس كَبيرة... ليس لإرضاء أنانِيَّتِهِ وَهوَ الذي عَمِلَ بكَدٍّ لِنَشْرِ الرِّسالة في قورِنثس، بَل لإنماء الرِّسالة. فَتَوبَة أهل قورِنثس وشُعورِهِم بِبُنُوَّتِهِم للآب هِيَ التي أطلقت العنان لفرحة بولس.
- على أساس الحزن بِحَسَب الله: هذا الحُزن ليس لعَيش الألم... إنَّما هُوَ حُزنٌ أمام الله لاختِبارِ نِعمَتِهِ وَعَمَلِهِ في الحَياة. فالحزن بحسب العالم يَحمل المَوت أمَّا الحزن بحسب الله يُعطي حَياةً أبَدِيَّة. لقد أحزن بولس القورنثيين بكلامِهِ عَن المُعَلِّمين الكَذَبَة... ولكن هذا الحُزن لم يُبعِدهُم عَن الإيْمان، بَل فَتَحَ قلوبهم من جَديد على نِعمَة الله وغفرانِهِ...
ونحن:
- كَيف نَعيش بُنُوَّتنا للآب؟ هَل نَمَسُّ النَّجاسَة فَنَبتَعِد عَن الله؟ أم نَلتَزِم بِحُبِّهِ فَنَتَطَهَّر لِنُصبِحَ لَهُ أبْناء؟
- ما هِيَ الأسس التي نَفتَحُ فيها قُلوبنا للكَلِمَة؟ هَل تَرتَكِزُ على الثِّقَة بِأنَّ اللهَ قادِرٌ على إزالةِ الصُّعوبات وَتَذليلِها؟ هَل تَرتَكِزُ على الفرح الذي يَنمو فينا عِندَما لا نُسكِتُ صَوتَ الكَلِمَة في جَماعاتِنا فَنَجعَلها تُزهِر وَتَنمو؟ هَل تَرتَكِزُ على قُبولِ الحُزنِ، الذي إن عِشناهُ بِحَسَب حِكمة الله، يُدخِلنا إلى الحَياة ويَقطَعُنا عَن مَوتِ إنْساننا العَتيق؟
في هذه الرِّسالَة دَعوَة واضِهَة إلى اتِّخاذِ قَرار: إمَّا أن نُسكِت الكَلِمَة في أعماقِنا وَنَسْتَمِعَ للمُعَلّمين الكَذَبَة (وَما أكثَرَهُم!) وإمَّا أن نَضَعَ نُصبَ أعيُنِنا الكَلِمَة التي تُنَمِّينا بالثِّقَة، وَتُنعِشنا بالفَرَح، وتُحيينا من وَسطِ حُزنِنا المُميت...

::: الانــجيل :::


40 وَلَمَّا عَادَ يَسُوع، اسْتَقْبَلَهُ الـجَمْع، لأَنَّهُم جَميعَهُم كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ.
41 وَإِذَا بِرَجُلٍ اسْمُهُ يَائِيرُس، وكَانَ رَئِيسَ الـمَجْمَع، جَاءَ فارْتَمَى عَلَى قَدَمَي يَسُوع، وَأَخَذَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ،
42 لأَنَّ لَهُ ابْنَةً وَحِيدَة، عُمْرُها نُحْوُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الـمَوْت. وفِيمَا هُوَ ذَاهِب، كانَ الـجُمُوعُ يَزْحَمُونَهُ.
43 وَكانَتِ امْرَأَةٌ مُصَابَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَشْفِيَهَا.
44 دَنَتْ مِنْ وَرَاءِ يَسُوع، وَلَمَسَتْ طَرَفَ رِدَائِهِ، وَفَجأَةً وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا.
45 فَقَالَ يَسُوع: "مَنْ لَمَسَنِي؟". وَأَنْكَرَ الـجَمِيع. فَقَالَ بُطْرُسُ وَمَنْ مَعَهُ: "يا مُعَلِّم، إِنَّ الـجُمُوعَ يَزْحَمُونَكَ وَيُضَايِقُونَكَ!".
46 فَقَالَ يَسُوع: "إِنَّ واحِدًا قَدْ لَمَسَنِي! فَإنِّي عَرَفْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي!".
47 وَرَأَتِ الـمَرْأَةُ أَنَّ أَمْرَها لَمْ يَخْفَ عَلَيه، فَدَنَتْ مُرْتَعِدَةً وارْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيه، وَأَعْلَنَتْ أَمَامَ الشَّعْبِ كُلِّهِ لِماذَا لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ شُفِيَتْ لِلْحَال.
48 فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "يا ابْنَتِي، إِيْمَانُكِ خَلَّصَكِ! إِذْهَبِي بِسَلام!".
49 وَفيمَا هُوَ يَتَكَلَّم، وَصَلَ وَاحِدٌ مِنْ دَارِ رَئِيسِ الـمَجْمَعِ يَقُول: "مَاتَتِ ابْنَتُكَ! فَلا تُزْعِجِ الـمُعَلِّم!".
50 وَسَمِعَ يَسوعُ فَأَجَابَهُ: "لا تَخَفْ! يَكْفي أَنْ تُؤْمِنَ فَتَحْيا ابْنَتُكَ!".
51 وَلَمَّا وَصَلَ إِلى البَيْت، لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ مَعَهُ سِوَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَأَبي الصَّبِيَّةِ وأُمِّهَا.
52 وكَانَ الـجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْها وَيَقْرَعُونَ صُدُورَهُم. فَقَال: "لا تَبْكُوا! إِنَّهَا لَمْ تَمُتْ. لـكِنَّهَا نَائِمَة!".
53 فَأَخَذُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ لِعِلْمِهِم بِأَنَّها مَاتَتْ.
54 أَمَّا هُوَ فَأَمْسَكَ بِيَدِها وَنَادَى قاَئِلاً: "أَيَّتُهَا الصَّبِيَّة، قُومِي!".
55 فَعَادَتْ رُوحُهَا إِلَيْهَا، وَفَجْأَةً نَهَضَتْ. ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُطْعِمُوهَا.
56 فَدَهِشَ أَبَوَاها، وَأَوْصَاهُمَا يَسُوعُ أَلاَّ يُخْبِرَا أَحَدًا بِمَا حَدَث.
(إنجيل القدّيس لوقا - الفصل 8 – الآيات 40 إلى 56)

::: أفكار على ضوء الإنجيـل :::

في الإنجيل الذي تُلِيَ على مَسَامِعِنا الأحد الماضي خرج يسوع من المدينة وتَبِعَهُ التّلاميذ لِيَقولوا له إنّ الجَميع يَطلُبونَهُ في الدَّاخِل... فما كان من يَسوع إلاّ الإبتِعاد... في قراءة هذا الأحد نَرَى الجُموع التي تُرَحِّب بِهِ وَلطالما انتظروه... وَفي وسط هذه المَعْمَعَة يَحدُثُ طَلَبٌ وَاختِلاس:
رَئيس المَجمَع الذي يَسهَر على تَطبيق الشّريعة المَنزوفة التي تَنفيها الشّريعة
رَئيس المَجمَع الذي يَرتَمي على قَدَمَي المُعَلِّم لِيَطلُب أمام الجَميع شفاء ابنته المُشرِفَة على المَوت المنزوفة التي تُدَبدِبُ على الأرض، لِتَلمُس طَرَف ثَوب المُعَلِّم
إبنة اثنَي عَشْرَةَ سَنَة تَموت (مَوتٌ ظاهِر)... يَستَعجِل المُعَلِّم وسط الزّحمَة نَحوَ بَيتِها إبنَة تَموت مُنذُ اثنَي عَشرَة سَنَة (مَوت مَخفي) استفادت من هذا الإستعجال وسط الإزدِحام لتلمس طرف ثوبه
إبنَةٌ مَحبوبة طاهِرَة (الجميع يقرعون صدورهم لوفاتها) إبنة منبوذة نَجِسَة (لم يرها أحد ولم يحسبوا لوجودها من حساب)
ولكن:
- فيما يُعلِن يَسوع لرئيس المجمع أنّ الإيمان هو الأساس لتحيا الصبية، كانت المنزوفة مُفعَمَة بالإيمان وقد أتت لتأخذ الحياة
- فيما يَسوع ذاهب لإعطاء الحياة للصبية الميتة، خرجت المنزوفة بحياة جديدة
- فيما كان يسوع يُعلِن الكَلِمَة حصلت المَنزوفة على مُبتَغاها (يا ابنتي، إيمانُكِ خَلَّصَكِ فاذهَبي بِسلام)، كانت كَلِمَة يَسوع هِيَ الواهِبَة الحَياة (يا صَبِيَّة، قومي).
ونحن:
- كَيفَ نَعيش إيماننا؟ هل بالشريعة التي تفصل بين النَجِس والطاهِر؟ أم التي تَجمَع الجَميع في كنف الكَلِمَة الشّافِيَة، كَلِمَة المَحَبَّة؟ هَل نُدرِك أنَّنا هَياكِل الله على ما جاء في رسالة القدّيس بولس التي تتلى على مَسامِعِنا اليَوم؟
- إنَّ الإرتِماء على القَدَمَين ليس فقط للتّوَسُّل، بَل للتَّتَلمُذ... فَلِمَن نتتلمذ فنرتمي على قَدَمَيه؟ للمُعَلِّمين الكَذَبَة الذين تَكَلَّمَ عَنهُم بولس الرَّسول؟ أم للمُعَلِّم الأوحَد الذي يُحيي الفرح والرَّجاء بِكَلِمَتِهِ؟
- ما هُوَ المَوت الذي يَضرب نُفوسنا وداخِلنا؟ هَل نُخفي مَوْتَنا وَخَطيئَتنا مُعتَقِدين أنَّها غَير قابِلَة للشِّفاء؟ أم نَحمِل الثِّقَةَ وَالإيمان بِأنَّ يَسوع يَحمِل لنا الشِّفاء مَهما كانت خَطايانا؟ هَل نَحزَن بخَطيئَتِنا، أم نَبتَحِج لأنَّنا خَطَأة مَغفورٌ لَنا وَمَدعوون لِنَأتِي إلى المُعَلِّم وَنَأخذ الغُفران الذي يَهَبهُ لَنا بالإعتراف؟
- هَل نُعَوِّل على رَأي النَّاس بِنا لِنَشعُر بِبُنُوَّتنا للآب؟ أم نَتَّكِل فقط على رحمة الآب التي تَغسِل الأدران، ظاهِرَةً كانت أم مخفِيَّة؟
هَل للكَلِمَة –للكتاب المُقَدَّس- مَكان في حَياتنا؟ هَل نُؤمِن بالقوّة الشِّفائِيَّة التي تحملها الكَلِمَة لِنُفوسِنا؟ هَل نَفهَمها وَنَتَشَرَّب مِنها لِتَبرَأ نُفوسنا ونَعود إلى الجماعة شُهود لها، ذائِعين للخلاص، مُشَدَّدين بالإيمان والرَّجاء، مُفعَمينَ بالمَحَبَّة؟

::: قراءات آبائيّة لزمن الصوم :::

قراءة من "البيت غازو"، ألحان التّوبة، النّشيد السابع، الأبيات 1 و5.
(البيت غازو هو النُّصوصُ الأصيلَة والأصليَّة واليَنابيع الوَافِرَة وَالغَنِيَّة، التي اسْتَقَى مِنْهَا الموارِنَة، عبر عُلَمائِهِمْ وَنُسَّاكِهِم وَنُسَّاخِهِم، تَنْسِيقَ طُقوسِهِمْ وَتَرْتِيْبِهَا لِتَصِيْرَ قَيْدَ الإحْتِفَال، كونَ البيت غازو هوَ مَجْمُوعَةٌ ضَخْمَةٌ مِنَ الالْحانِ لِكُلِّ مُناسَبَة.)
1- إلى أَيْنَ أَذْهَب،
وأَيْنَ أَخْتَبئُ
مِنْ دَرْبِكَ، يا مُحِبَّ البَشَر؟
لأَنَّ العُلُوَّ والعُمْقَ
والبِحارَ مَمْلُوءَةٌ مِنْكَ.
بِكَ أَلُودّ
كَتِلْكَ المريضةِ
الّتي مَسَّتْ طَرَفَ رِدائِكَ،
فَشُفِيَت
مَرَضُها مِنْ ثَوْبِكَ.
وَبما أَنَّني لَجَأْتُ إلى صَلِيبكَ الحَيِّ،
فَلأُنْقَذْ بِهِ مِنَ النّارِ،
هللويا.
وَأُؤَهَّلْ لِخِدْرِكَ.
5- أَيُّها الخاطئُ
الّذي خَطِئَ قُدَّامَ رَبِّهِ،
تَقَرَّبْ نحوَهُ بانْسِحاقِ نَفْسٍ،
وَهُوَ سَيَغْفِرُ لكَ
ذُنوبَكَ وخَطاياك.
أَفِضِ الدُّموعَ
على بابِ الطَّبيب،
وَاكْشِفْ لَهُ قُروحَ نَفْسِكَ
وخطاياكَ أَيضًا
كما هِيَ.
إحْفَظْ لِسانَكَ
مِنْ كُلِّ شَرٍّ؛
وَشَفَتاكَ اللتانِ خُلِقَتا للتمجيد،
لا تَتَكَلَّمْ بِهِما
كَلِماتِ اسْتِهْزَاء.
إغْفِرْ لأَخيكَ
إنْ أَسَاءَ إلَيك،
والمسيحُ هُوَ سَيَغْفِرُ لَكَ
الذُّنوبَ الّتي فَعَلْتَ،
بِرَحْمَتِهِ.
ربَّنا! ربَّنا!
إرْحَمْنا،
وَسامِحْ ذُنوبَنا بحَنانِكَ.
هللويا.
وَتَحَنَّنْ علينا بِنِعْمَتِكَ!

::: تأمّل روحيّ :::

من لمسني

في عمر تفتّح الوردة في حياة الصبيّة، علامة نضوج الحياة فيها، تراها تموت في وقتٍ كانت المرأة النّازفة تبحث عمّن يوقف دفّق الدم الخارج عن نطاقه الطبيعيّ.
– الأولى ترقد على رجاء قيامةٍ لم تُختَبَر بعد. والثانية حيّة لكنّها منساقة نحو موتٍ حتميّ تبحث عن شافٍ لها.
– الأولى إبنه أهل الوعد و"الشّعب المختار" قد ماتت، والثانية إبنة الشعوب الاُمَمِيّة، لم تحصل على عهد المصالحة بعد.
– الأولى تمثّل أورشليمنا الشخصيّة التي حسبناها ملكنا فتملّكنا عليها وأغلقنا، فهجرها الإيمان والرّجاء، ومات الحبّ فيها. والثانية تمثّل الآخر في البشرية جمعاء، التي ما زالت تسير باحثةً عن خلاصٍ حقيقي وتتمنّى لو تصل إليه فتلمس "هدب" ثوبه، فتحصل على النعمة، فتستريح.
– في الأولى، نجد أنفسنا اليوم في غيبوبةٍ روحيّة عميقة تلبس الموت في كفنٍ أبيض يتحرّك متباهيًا إنّما دون حياة... وفي الثانية توقٌ للشفاء من مرضٍ مجهول الهويّة، يُشعِر غالبيتنا بغصّة في الأعماق، وبحاجةٍ إلى شيءٍ ما لا نستطيع تحديده لملء فراغٍ مخيف، يبحث كي يتعرّف إلى صاحب ذاك الثّوب المنير الشّافي، صاحب طريق الإيمان والحياة.

أنفقت... ولم تُشْفَ

كم ننفق من أوقاتنا وأموالنا باحثين عن دواءٍ لشفاءِ جراحاتنا وانكساراتنا النفسيّة الّتي ترمينا في نزيف العفن الدّاخليّ، والدموع القلبيّة المريرة، والألم الممزِّق لأحاسيسنا؟
قد لا نضَيِّع فرصةً توهمنا بالسعادة والحياة الهنيئة إلاّ ونركض وراءها كي نستقرّ، فتصطادنا هي بدل أن نصطادها، وتعمّق الأسى فينا بدل الطمأنينة والسّلام، فيبقى النزف مستمرًا، مضعِفًا فينا الحبّ والفرح إلى أن نموت فيه، إلاّ إن جدّينا ولمسنا ثوب الحبيب. ربّما نُماثِل المرأة النازفةِ في لمس الهدب من الخلف خجلاً من مواجهة الحبيب، وخوفًا من أسئلةٍ ننتظر: "كنت أبحث عنك، أين كنت طوال السنين الماضية؟ لِما لم تأتني إلاّ متأخّرًا؟...." ولكن أيًا من كلّ تلك الأسئلة لن يطرح علينا ولن يعاتب، مهما تأخّر وقت لمسنا لثوبه؛ جُلَّ ما يريده، أن نُقبِلَ إليه واثقين ننتزع منه الشفاء، فيُسَرّ ويفرح لفرحنا!
إنّه الحبيب، ويريدنا أن نكون ذا رجاءٍ وإيمان كي ينسكب كلّ الحبّ فينا، شافيًا النفس منّا قبل الجسد. هو الوحيد القادر أن يعيد لنا بهاء صورته وهو الوحيد الّذي يعيد لنا ذاتنا المفقودة في النزيف.

من لمسني

وأنت تقرأ هذه الكلمات وكأنّي أسمعك تقول:" يا لفظاعة يسوع هذا! هو العالم بمشكلة تلك المرأة، فكيف يشير إلى ما فعلته في العلن فاضحًا أمرها؟
إن غصنا في باطن تلك المرأة، ورغم ظاهرها المرتعب، نرى هناك ما يتراقص مع نغمات القلب فرحًا ويقول:" أناااااااااااااا هي تلك الّتي كانت مائتة النفس وعاشت. أنا هي تلك الّتي كانت فاقدة القيمة والمكانة بين الأهل والنّاس. أنا تلك الباكية بصمتٍ والمنازعة بالآهات المخنوقة في حنجرة الحياة. أنا هي ! وليس سِواي!"
أمّا بسؤاله هذا وكأنّه أعطاها أمام الجموع كلِّها، صكّ براءةٍ من المرض وشهادة تفيد بنجاحها الإيمانيّ في استعادة كلّ ما فقدته في كلّ مكانٍ وزمانٍ ومع أي كان!
هذا هو يسوع، هذا هو الحبّ المنسكب حتّى الثمالة... أفلا يستحقّ منّا الإيمان العظيم، هذا الّذي طلب أن يكون لنا منه مقدار "حبّة الخردل"؟

::: نوايا وصلاة شكر للقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- نصلّي من أجل رعاة كنيستك، مار بينيديكتوس السادس عشر بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكي، وأبينا مار نصرالله ومار جورج بوجودة مطراننا، مع سائر الأساقفة والكهنة والمكرّسين على اسمك القدوس، كي يكونوا في تعليمهم ووَعظهم وطريقة مَعيشَتِهم آداةً تحمل الآخرين إلى عَيشِ التوبة المَرضِيَّةِ لك، نسألك يا رب.
2- عندما عاد يسوع، كان الجميع في انتظاره، منهم من أراد شِفاءً، ومنهم من أراد الاستمتاع بِحُضوره والاستماع له، ولكنّ الجميع وثقوا به وبِفَعاليّة حضوره؛ أعطنا أن ننتظر عَودتك إلى حياتنا، فنَستَقبِلَكَ بِحَفاوةٍ مُقَدّمين لك كلّ ما عندنا مِن أفراحٍ فتبارِكها، ومِن أحزانٍ فَتُحَوِّلها إلى تعزية ومجد، نسألك يا رب.
3- اثنتا عشرة سنة هو وقتٌ قصيرٌ لِفتاة دقَّ الموتُ بابها، ولم تبدأ حياتها بعد، وهوَ وقتٌ طويلٌ لامرأةٍ، عاشت طيلةَ هذه الفترة، مريضة، وحيدة، مَنفيَّة من المجتمع، أعطنا أن نفهمَ أنّ لِكلِّ إنسانٍ معيارٌ خاصٌّ به، ومناسبٌ له، فلا يجوزَ أن نَحكمَ على الآخرين انطلاقًا من مَفهومنا، ولا أن نُحَمّلَهم أحمالاً استنادًا إلى قدرتنا على التَحَمّل، نسألك يا رب.
4- بشفاعة القدّيسة رفقا، امرأة اختبرت ألم المرض، وبشفاعة مريم أمّ البشريّة جمعاء التي اختبرت ألمَ فقدان وحيدها، نقدّم لك اليوم، كلّ مريضٍ يُصارع المرض أو الموت، وخاصّةً النساء منهم كي تكون لهم الشفاء التام، وكلّ أمٍّ تُصارع مخاطرَ الأيّام، كي تُحافِظَ على الأمانة التي أوْدَعْتَها بين يديها، فتُعاملها بِحُبٍّ ومجانيّة، نسألك يا رب.
مِن أجل كلّ مَن غَفَلَتْهُ الأيام، أسمِعهُ صوتَ ابنك الحنون: يا صبيّة قومي، أو يا صبيَّ قُم، فيستَيقظوا مِن غَفوَتهم إلى الحياة الأبديّة معك ومع جميع القدّيسين، غافرًا خطايانا وخطاياهم.

صلاة شكر للقدّاس

شكرًا لك يا رب على كلّ ما أعطَيتناه، ولا زلتَ تُعطينا إيّاه رُغم عدم أمانتنا،
شكرًا لك على جسدك ودمك الأقدسَين،
شكرًا لك لأنّك تُمسِكُ يَدَنا وتنادينا للقيامة معك،
شكرًا لك لأنّك تشفق علينا وترفض أن يكون مرورنا بقربك مرورًا عابرًا، بل تدعونا إلى الثقة بك وبأنفسنا، فتحوّل انزواءنا إلى جرأةٍ في الشهادة لك،
لك الشكر والحمد والمجد، أيّها الآب والابن والروح القدس، على وجودك الداعم لنا، من الآن وإلى الأبد، آمين.

عدد القراءات: 9144