مقالات ليتورجيّة

المصدر:

موقع بلدة القبيّات الإلكتروني

التّاريخ:

الخميس 08 آذار 2012

نشرة الأحد الرّابع من زمن الصوم: أحد مثل الابن الشاطر
يَا أَبي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ.
يَا أَبي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ.

• شَهِدنا في الأحد الثّاني شِفاء مَرَضٍ ظاهِرٍ (البَرَص)، وفي الأحد الثّالث شِفاء مَرَضٍ مَخفِيّ (النَّزف)... ذُروَةُ الصَّوم: الأحَدُ الرَّابِع، أحَدُ ٱكْتِشافِ مَحَبَّة الله مُصَوَّرَةً بِطَريقَةٍ تَأخُذُ العُقولَ وَالقُلوب، وَتُحَوِّل الإنْسان، كُلَّ إنْسان، إلى طِفْلٍ أمامَ غُفْرانِ اللهِ وَمَراحِمِهِ.
• في رِسالَةِ القِدِّيسِ بولُس، بَدَا اللهُ ضَعيفاً، وَهَمُّهُ بُنْياننا لا هَدْمنا، وَتَرْسيخنا في الإيمان.
• وَالإنْجيلُ يَتَلَخَّصُ في كَلِمَةِ الأبِ الرَّحوم، المملوءَةِ فَرَحاً، بَعْدَ أنْ غَفَرَ كُلَّ شَيء: »تَعالوا نَفْرَح وَننعَم لأنَّ ٱبْني كانَ مَيتاً فَعاش وَضالاًّ فَوُجِد«.
في هذا الأحَد، دَعْوَةٌ خاصَّة إلى التَّوْبَة، وَٱكْتِشافِ قَلْبِ اللهِ الذي لا يُعاتِبُنا وَلا يُدينُنا، بَلْ يَضُمُّنا إلى صَدْرِهِ حينَ نَعودُ إلَيْهِ وَيُقيمُ لَنا أعْظَمَ الأفراح. هَل نُدْرِكُ في حَياتِنا هذه الرَّحْمَة؟ كَيفَ نَعيشُها واقِعًا مُتَجَسِّدًا في حَياتِنا؟

::: صــلاة :::

أيُّها الآبُ السَّماوِيّ، يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ نَلْمُسُ لَمْسَ اليَدِ حَنانَكَ وَرَحْمَتكَ وَنَكْتَشِفُ أنَّ قَلْبَكَ قَلْبُ أُمٍّ، وَحُبَّكَ حُبُّ أبٍ... لا تُريدُنا أطْفالاً قاصِرينَ وَلَوْ تَرَكْنا البيت الوالِدِيّ... تَسْتَقْبِلُنا وَلا تَطْرَحْ عَلَيْنا سؤالاً، بَلْ تَفْرَحُ لأنَّنا عُدْنا إلَيْكْ.
يا يَسوع... رَأيْناكَ فَرَأيْنا الآب، وَعَرَفْناكَ فَعَرَفْنا قَلْبَ الآب. وَفي كُلِّ قُدَّاسٍ تُوَحِّدْنا بِكَ، فَنَفْهَمَ أنَّ مَحَبَّتَكَ غَمْرٌ عَظيمٌ، وَحَنانَكَ لا يوصَف... يا مَن تَجْمَعُ الأبْناءَ، أعطِهِم أن يَكونوا رَعِيَّةً واحِدَةً، يُعَيِّدونَ مَعَكَ وَمَعَ الآبِ وَالرُّوح القُدُس إلى الأبَد، آمين.

::: الرســالة :::

5 إِخْتَبِرُوا أَنْفُسَكُم، هَلْ أَنْتُم رَاسِخُونَ في الإِيْمَان. إِمْتَحِنُوا أَنْفُسَكُم. أَلا تَعْرِفُونَ أَنَّ الـمَسِيحَ يَسُوعَ فِيكُم؟ إِلاَّ إِذَا كُنْتُم مَرْفُوضِين!
6 فأَرْجُو أَنْ تَعْرِفُوا أَنَّنا نَحْنُ لَسْنا مَرْفُوضِين!
7 ونُصَلِّي إِلى اللهِ كَيْ لا تَفْعَلُوا أَيَّ شَرّ، لا لِنَظْهَرَ نَحْنُ مَقْبُولِين، بَلْ لِكَي تَفْعَلُوا أَنْتُمُ الـخَيْر، ونَكُونَ نَحْنُ كَأَنَّنا مَرْفُوضُون!
8 فَإِنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ شَيْئًا ضِدَّ الـحَقّ، بَلْ لأَجْلِ الـحَقّ!
9 أَجَلْ، إِنَّنا نَفْرَحُ عِنْدَما نَكُونُ نَحْنُ ضُعَفَاء، وتَكُونُونَ أَنْتُم أَقْوِيَاء. مِنْ أَجْلِ هـذَا أَيْضًا نُصَلِّي لِكَي تَكُونُوا كَامِلِين.
10 أَكْتُبُ هـذَا وأَنا غَائِب، لِئَلاَّ أُعَامِلَكُم بِقَسَاوَةٍ وأَنا حَاضِر، بِالسُّلْطَانِ الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهُ الرَّبّ، لِبُنْيَانِكُم لا لِهَدْمِكُم.
11 وبَعْدُ، أَيُّهَا الإِخْوَة، إِفْرَحُوا، وَاسْعَوا إِلى الكَمَال، وتَشَجَّعُوا، وكُونُوا عَلى رَأْيٍ وَاحِد، وعِيشُوا في سَلام، وإِلـهُ الـمَحَبَّةِ والسَّلامِ يَكُونُ مَعَكُم!
12 سَلِّمُوا بَعْضُكُم عَلى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَة. جَمِيعُ القِدِّيسِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكُم.
13 نِعْمَةُ الرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح، ومَحَبَّةُ الله، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ مَعَكُم أَجْمَعِين!
(الرّسالة الثانية إلى أهل قورنتوس – الفصل13 - الآيات 5 إلى 13)

::: أفكار من الرسالة :::


لقد كان أهل قورنثس يرفضون فكرة أنّ بولس الرّسول الذي بشّرهم يَتَكَلَّمُ بِدافعٍ وَإلهامٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس... لذلك رأينا أنّ المقطع من ذات الرّسالة الّذي سَمِعناه في الأحد الماضي (الفصل8) يَتَكَلَّم عَن حُزن الرَّسول جرّاءَ ما حَدَث... أمّا في المقطع الذي يُتلَى عل مَسامِعِنا هذا الأحد (الفصل13) نرى أنّ بولس الرّسول يَدعو إلى فَحصِ ضَمير بَعدَما أعلن للقورنثيين أنَّهُ سَيَأتي إلَيْهِم للمرّة الثّانِيَة، وَأنَّهُ سَيُحاسِبُ المُفْتِنينَ، أي المُعَلِّمين الكَذَبَة الذينَ طَلَبوا بُرهانًا لِيَتَأكَّدوا أنَّ المَسيح هو الذي يَتَكَلَّم في بولس، سَيُعامِلهُم بِقَسْوَة.
هُنا، يُعلِنُ بِكُلِّ جُرأةٍ أنَّ الذي ماتَ مَصلوبًا على خَشَبَة لَيْسَ ضَعيفًا كَما يَبدو... بَل قَوِيًّا وَحاضِرًا وَمُعطِيًا الحَياة والقُوَّة. على هذا الأساس يَطلُب مِن كُلِّ واحِدٍ أن يمتحن نفسه وَيُحاسِبها على أساس حُضور المَسيح في قلبه... فالتّجرِبَة والإمتِحان الذي مرّ بِهِ هؤلاء المُؤمِنين أسكَتَ صَوت المَسيح فيهِم وَها هُوَ بولُس يَنْتَهِر: "ألا تَعرِفون أنّ يَسوع المَسيح فيكُم؟"
على هذا الأساس يَضَعُ بولس إحتمال فشلهم في تَخَطّي التّجرِبَة، واضِعًا خِبرَتَهُ أمامَهُم، هُوَ الذي لَم يَفشَل في مُقاوَمَة حِيَل العَدُوّ، وَلَم يُسْكِت المَسيح الذي يَتَكَلَّمُ فيه. فَكَيفَ عاشَ بولُس الرَّسول هذه الخِبرَة وَكَيفَ يُحاول عَيشها مع أهلِ قورنثس؟
- الصّلاة: إنَّ بولُس يُصَلِّي لِكَي يَعمل الذين يُبَشِّرهُم الخَير، وَيَكونوا من المُحِبِّين للكَلِمَة، العامِلينَ بِها. ليس لِيَقول النّاس أنَّهُم ثابِتونَ في إيمانِهِم بِفَضْلِ بولُس، بَلْ لِيَتَبَرَّروا بالنِّعمَة أمام الله، وَيَكونوا أنقِياءَ لا عَيْبَ فيهِم. فبولس الرّسول كانَ يَشعُرُ بالأبُوَّةِ تِجاههم، والأب هُوَ الذي يُعطي لأبنائِهِ كُلّ ما لَدَيه بِكُلِّ مَحَبَّة. فهو لا يهُمّه أن يَظهر بِمَظهر النّاجِح في رسالته... بل يَقبل بأن يظهر بمظهر الفاشِل لِيَنجح أبناؤُه أمام الله، فَيَكون على مِثال المَسيح الذي ماتَ ميتة شَنيعَة وَضَعيفة ليُظهِرَ مِن خِلال صَليبِهِ قُوَّة الله.
- خدمة الحقّ: إنَّ الحقّ هُوَ سَيفٌ قاطِع يَفصِل الإنسان عَن الباطِل. والحقّ هُوَ الكَلِمَة المُحيية التي يُعلِنها بولس. وخِدمَة الحقّ هُوَ خِدمة الكَلِمَة المُتَجَسِّد الذي ماتَ مَصلوبًا لِيُزيل عَن الجَميع عار الخَطيئَة. هذه الخدمة ليست مُوَجَّهة نحو شَخصٍ يَموت، بل نحو إلهٍ أصبَحَ إنسانًا لِيَكسر المَوت... وبين هذه وتلك فرقٌ كَبير. وعلى عَكسِ بولُس الرَّسول خَدَمَ المُعَلِّمون الكَذَبَة أشْخاصًا، وَلِذلِكَ فَشِلوا.
ونحن:
- هَل نَعي إلى حُضور المَسيح فينا؟ أم نُشيحُ النّظر عَنهُ لِنَتَلَهَّى بالقُشور وَنُسْكِت صَوتَهُ فينا؟
- هَل نُرافق مَن نُحِبُّهُم بالصَّلاة؟ هَل نَعمَل لإرشادِهِم وإظهار مَحَبَّة الله لهُم مِن خِلالِنا؟ أم نَعمَل لأنفُسِنا لِنَظهَر عَلَى أنَّنا أصحاب الفَضل، فَنُسْكِت صَوت الله فينا لِنُعلي أصْوات رَغَباتِنا وَأنانِيَّتِنا؟
- مَن نَخدُم في حَياتِنا؟ زُعَماء؟ أفكار؟ فَلسَفات؟ أنانِيًّات؟ رَغَبات؟ أشخاص؟ أم نخدُم الحقّ الذي صار جَسَدًا يُؤكَل، لِنَتَّحِد بِهِ وَهوَ الذي ارتَفَعَ مِنْ أجْلِنا قُرْبانًا لِرَحْمَتِنا، حَتَّى نُصبِحَ صَوتًا لَهُ، يُعلِنُهُ وَيُمَجِّدُهُ في هذا العالَم؟
لِنَختَبِر أنْفُسَنا، وَلنُقارِنها بِرَحمَة الله الذي يُغدِق نِعَمَهُ عَلَيْنا في كُلِّ آن، وَهوَ الذي ظَهَرَ لَنا بابنِهِ ضَعيفًا لِيُعطِيَنا مِنْ قَلْبِ ضُعفِنا قُوَّةً وَحَياة وافِرَة.

::: الانــجيل :::


11 وَقَالَ يَسُوع: "كانَ لِرَجُلٍ ابْنَان.
12 فَقالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيه: يَا أَبي، أَعْطِنِي حِصَّتِي مِنَ الـمِيرَاث. فَقَسَمَ لَهُمَا ثَرْوَتَهُ.
13 وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَة، جَمَعَ الابْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ حِصَّتِهِ، وسَافَرَ إِلى بَلَدٍ بَعِيد. وَهُنَاكَ بَدَّدَ مَالَهُ في حَيَاةِ الطَّيْش.
14 وَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيء، حَدَثَتْ في ذـلِكَ البَلَدِ مَجَاعَةٌ شَدِيدَة، فَبَدَأَ يُحِسُّ بِالعَوَز.
15 فَذَهَبَ وَلَجَأَ إِلى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ ذـلِكَ البَلَد، فَأَرْسَلَهُ إِلى حُقُولِهِ لِيَرْعَى الـخَنَازِير.
16 وَكانَ يَشْتَهي أَنْ يَمْلأَ جَوْفَهُ مِنَ الـخَرُّوبِ الَّذي كَانَتِ الـخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، وَلا يُعْطِيهِ مِنْهُ أَحَد.
17 فَرَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَال: كَمْ مِنَ الأُجَرَاءِ عِنْدَ أَبي، يَفْضُلُ الـخُبْزُ عَنْهُم، وَأَنا هـهُنَا أَهْلِكُ جُوعًا!
18 أَقُومُ وَأَمْضي إِلى أَبي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ.
19 وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. فَاجْعَلْنِي كَأَحَدِ أُجَرَائِكَ!
20 فَقَامَ وَجَاءَ إِلى أَبِيه. وفِيمَا كَانَ لا يَزَالُ بَعِيدًا، رَآهُ أَبُوه، فَتَحَنَّنَ عَلَيْه، وَأَسْرَعَ فَأَلْقَى بِنَفْسِهِ عَلى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ طَوِيلاً.
21 فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَبي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ. وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا...
22 فَقالَ الأَبُ لِعَبيدِهِ: أَسْرِعُوا وَأَخْرِجُوا الـحُلَّةَ الفَاخِرَةَ وَأَلْبِسُوه، واجْعَلُوا في يَدِهِ خَاتَمًا، وفي رِجْلَيْهِ حِذَاء،
23 وَأْتُوا بِالعِجْلِ الـمُسَمَّنِ واذْبَحُوه، وَلْنَأْكُلْ وَنَتَنَعَّمْ!
24 لأَنَّ ابْنِيَ هـذَا كَانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد. وَبَدَأُوا يَتَنَعَّمُون.
25 وكانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ في الـحَقْل. فَلَمَّا جَاءَ واقْتَرَبَ مِنَ البَيْت، سَمِعَ غِنَاءً وَرَقْصًا.
26 فَدَعا وَاحِدًا مِنَ الغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هـذَا؟
27 فَقالَ لَهُ: جَاءَ أَخُوك، فَذَبَحَ أَبُوكَ العِجْلَ الـمُسَمَّن، لأَنَّهُ لَقِيَهُ سَالِمًا.
28 فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُل. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْه.
29 فَأَجَابَ وقَالَ لأَبِيه: هَا أَنا أَخْدُمُكَ كُلَّ هـذِهِ السِّنِين، وَلَمْ أُخَالِفْ لَكَ يَوْمًا أَمْرًا، وَلَمْ تُعْطِنِي مَرَّةً جَدْيًا، لأَتَنَعَّمَ مَعَ أَصْدِقَائِي.
30 ولـكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هـذَا الَّذي أَكَلَ ثَرْوَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ العِجْلَ الـمُسَمَّن!
31 فَقالَ لَهُ أَبُوه: يَا وَلَدِي، أَنْتَ مَعِي في كُلِّ حِين، وَكُلُّ مَا هُوَ لِي هُوَ لَكَ.
32 ولـكِنْ كانَ يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَعَّمَ وَنَفْرَح، لأَنَّ أَخَاكَ هـذَا كانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد".
(إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 15- الآيات 11 إلى 32)

::: أفكار على ضوء الإنجيـل :::

إنّ القِصَّة التي رَواها يَسوع فيها الكَثير مِنَ الأمور الغَريبة...
أبٌ يُقَسِّمُ الميراث بِناءً لِطَلَب الإبن الأصغر، إبنٌ يَرِث ويتصرّف بأموال أبيه، بَعيدًا عَنهُ، وعلى سَجِيَّتِهِ... الأغرب من ذلِك، أنّ الجوع الذي ضرب الإبن والذي دفعه إلى العَودة إلى أبيه، لم يَكُن سبب تَشَفِّي للأب، بَل كانَ الدّافِع لِيُعانق الإبن وَيُنعِم عَلَيْهِ بِمَحَبَّتِهِ المَجَّانِيَّة. فَما الذي حَصَلَ بَين الأب والإبن الأصغر؟
- الأب بدا ضَعيفًا: لَم يُقاوِم الأب رغبة الإبن بالإنقِطاع عنه والإبتِعاد للتّنَعُّم بِمالِهِ الخاص. بدا هذا الأب ضَعيفًا، وَقَد وافق على طلب الإبن بدون أيّ اعتِراض، وَوَهَبَهُ الميرات بِكُلِّ مَجَّانِيَّة.
- الإبن يُعلِن حاجته: الميراث ضَروري ليأتيه بالمال، فيعيش بحريّة. فالإستقلالية والحرية من سلطة الأب هي مطلب جميع الأبناء. وإلى أيّامِنا هذه، يَترك الإبن بيت أبيه ليعيش مُستَقِلاًّ وَهذا طَبيعي... ولكن، ما لم يَكُن إعتِيادِيًّا في القصّة التي رَواها يَسوع، هُوَ أنَّ هذا الإبن لم يَعمَل بِكَدٍّ لِيَأكُل خُبزه بِعَرَق جبينه، بَل بَذَّرَ مالاً لم يَتعَب للحصول عليه...
لقد أدرك الأب حاجة الإبن للإستِقلالِيَّة، وَتَفَهَّمَ هذه الحاجَة، وَدَفَعَ ثَمَنَها... والإبن أعلن حاجَتَهُ وَلَم يَكُن مُدرِكًا لِتَبِعاتِ ما يُريدُهُ، فوصل إلى مرحلة، رَعَى فيها الخنازير، وهو عمل غَير نافِع بالنِّسبة لليَهود الذين يَسمعون القصّة من يسوع لأنّ اليَهود لا يَأكلون الخنزير لأنَّه نَجِس بِحَسَب الشَّريعة. لقد خدم الأب الحَق، بِأن لا يَستأثِر بِمَحَبَّة إبنِهِ، فَأعطاه بِمَجَّانِيَّة المال والرَّحمة عندَ عَودَتِهِ، والإبن لم يَقدِر على تَحديد مَعنى لحياته، فخدم الباطِل حَتّى أُقيم في نجاسة الخنازير...
ونحن:
- إنّ علوم النّفس والإجتِماع والتّربية في أيّامِنا تُثبِت أنَّهُ على الأبناء أن يَنفَصِلوا عَن آبائِهِم لِيَعيشوا إسْتِقلالِيَّتَهُم... وهذا ضَروري لِيَكونوا أصِحَّاء نَفسِيًّا وَاجتِماعِيًّا. هُنا يَكمُنُ رِهانُنا نحن الآباء: هَل نَضَع الحقّ في قلوبِ أبنائِنا لِيَعمَلوا بِهِ وَيَخدُمُوه حتّى لَو ابتَعَدوا عَنَّا؟ أم نَحصُر واجباتنا الأبويّة بتأمين المَأكَل والمَلبَس؟ هَل نَصبو إلى حُرِّيَّةِ أبْنائِنا؟ أم نُقَوِّضها باعتِباراتِنا الشّخصِيَّة وَأنانِيَّاتِنا؟
لقد كان عَمَل الإبن الأصغر سببًا لِنُضوجِهِ... فَبَعدَما عاشَ استِقلالِيَّتَهُ مُسكِتًا في قَلبِهِ صَوتَ أبيه فبَذَّر الثّروَة، عادَ وجاعَ وَعَرَفَ فَضل أبيه، فعادَ إلَيه وهوَ واثِقٌ مِن حبّه وَعَطفِهِ... هَل نَعرِف نحن الأبناء فضل آبائنا علينا؟ هَل نُدرِك أننا في مَسيرَةِ نُضوجٍ في هذه الحَياة؟ هَل نَعي لِمَسؤولِيَّاتِنا فَلا نَبتَعِد عَن مَصدَر حَياتِنا؟ هَل نَعي لِمَصلَحَتِنا فَنَطلبها؟ هَل نَعرف ماذا نُريدُ مِن هذه الحَياة فننفتح على نِعمَة الله أبينا المجّانِيَّة؟

::: قراءات آبائيّة لزمن الصوم :::

قراءة من "البيت غازو"، ألحان التّوبة، النّشيد الثّاني، الأبيات 5- 8.
(البيت غازو هو النُّصوصُ الأصيلَة والأصليَّة واليَنابيع الوَافِرَة وَالغَنِيَّة، التي اسْتَقَى مِنْهَا الموارِنَة، عبر عُلَمائِهِمْ وَنُسَّاكِهِم وَنُسَّاخِهِم، تَنْسِيقَ طُقوسِهِمْ وَتَرْتِيْبِهَا لِتَصِيْرَ قَيْدَ الإحْتِفَال، كونَ البيت غازو هوَ مَجْمُوعَةٌ ضَخْمَةٌ مِنَ الالْحانِ لِكُلِّ مُناسَبَة.)
5- يا أبا الحقّ،
يا مَنْ قَبِلَ الابنَ الضّائعَ
بَعْدَ أَنْ بَدَّدَ مُقْتَناهُ
في الخَلاعَةِ والسُّكْر،
وارْتَمى على عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ،
وَذَبَحَ العِجْلَ المُسَمَّنَ، وَقَبِلَهُ؛
إقْبَلْ عبيدَكَ، يا مُخَلِّصَنا،
لأَنَّهُم عادوا وأَتَوا إلى حَظِيرتِكَ،
وَفَرِّحِ اليَقِظِينَ والملائكةَ
بالرَّجاءِ الّذي سَيَكُونُ للتّائبين.
6- قَرُبَ الزَّمانُ
ويومُ الآخِرَة، (يومُ) الأَحكامِ المُبْرَمَة،
وها إنَّ الرَّبَّ يُزَلْزِلُ الأَرضَ،
وَيُفَجِّرُها وَيُهَدِّمُها.
فَلْنَجْتَهِدْ بالتَّوبةِ
وَلْنَسْألِ المَراحمَ والغُفران،
لأَنَّ الحَنّانَ لَنْ يَمْنَعَنا،
فلا نَمَلَّ مِنْ أنْ نَبْتَهِلَ إلَيه،
لأنَّ بابَهُ مَفْتُوحٌ للتّائبين،
وَمَنْ يَقْرَعُهُ يُنْقَذ!
7- ها إنَّ الملكوتَ
في داخِلِكَ، أَيُّها الخاطئ،
فإلى داخِلِ قلبِكَ ادْخُلْ وَاطْلُبْهُ،
فَتَجِدَهُ بغيرِ عَنَاء.
تَوَقَّفْ عَنْ مَحَبَّةِ القِنْيَة،
وَعَنِ الشَّهْوَةِ قاتلةِ الجَسَد،
وَعَنِ اللَّذاتِ الّتي تَزول،
وَعَنِ الاهتمامِ الّذي يُخَسِّرُكَ،
وَنَقِّ نَفْسَكَ البائسة،
وَاحْسُنْ للرَّبِّ في كلِّ وقت!
8- أَلنَّفْسُ الّتي (تكونُ) صافيةً
وَنَيِّرَةً ومملوءَةً محاسِن،
وَهِيَ تَقْتَني اللّهَ في عَقْلِها،
وَفَمُها طاهِرٌ مِنَ الإثم،
ولِسانُها مِنَ الشُّرور،
والحقُّ في داخِلِ ضميرِها،
وأُذُناها تَتَفَحَّصانِ الأَقوال،
وَهِيَ تَقْبَلُ كلمةَ الحياة،
فعلى المراقي الإلهيَّةِ
سَتَصْعَدُ إلى أَعلى السَّماء

::: تأمّل روحيّ :::

من أنت في اللغز؟
قصّة رجل كان له ابنان، حيث شغل الأصغر المحور فيها: طلب نصيبه من الميراث ورحل دون أي ردّ فعلٍ ظاهر من أبيه إلاّ عدالته (" قسم لهما أملاكه").
بالمقابل، هذا "الشّاطر" امتاز عن أخيه الأكبر بالمبادرات: من مغامرة إلى مغامرة وصولاً إلى الجوع المُتقِع والحال المهين، ورغم جرأته في ما فعل، وجد نفسه مدفوعًا لمواجهة موقف العودة إلى حضن أبيه، فبدأ بتحضير خطاب التوبة والمَسْكنَة كي يستدرّ عطف من احترم خياره، فيغفر له فعلته. أمّا والده، فكان منتظرًا إيّاه وحالما رآه أسرع إليه وذراعاه مفتوحتان لمعانقته: تحرّكت أحشاؤه لعودة ابنه التّائه، الجائع،الخاطئ...

فرح وعيد
إنتظار، فلقاء، إنفجارًا فرحًا وعيدًا في البيت كلّه... وتنتهي قصّة العائد هنا. ماذا كانت ردّة فعله؟ بماذا كان يفكّر في تلك اللحظات، لا نعلم، وليس بالمهمّ. فدون شكّ، فرحة أهل البيت هو تأكيد على محبّتهم العظمى له ورحمة الأب اللامحدودة وغفرانه لكلّ ما فعل بصمت كبير. وَلَدَهُ من جديد من الحشا إلى حياة جديدة، نازعًا عنه ثوب الخطيئة الممزّق المهترئ، مُلْبِسًا إيّاه حلّة معمودية لم يتعرّف إليها من قبل، حلّة الحبّ المجّاني والرحمة والفرح.

قصّة أخرى
هنا تبدأ قصّة أخرى أكثر إيلامًا لنا. يأخذنا يسوع فيه إلى ذاك الإبن المقيم مع أبيه، ذاك الخروف المطيع الوديع. فجأةً ينفجر غضبًا، ويأبى الدّخول إلى البيت (آ28)، فخرج والده إليه يستدعيه مترجّيًا إيّاه كي يدخل ويشاركهم الفرح. ولكن، هل حُلَّت المشكلة بتدخّل الأب؟ لم يعطِ يسوع الجواب، ممّا أربك المستمعين إليه (ومنهم نحن القرّاء). ربّما لأوّل وهلةٍ نساوي أنفسنا بالأب (صحيح، كلّنا منعمل هيك مع ولادنا!) أو إن كنّا من المتواضعين، ربّما تمثّلنا "بالشاطر". أو ربّما وقفنا إلى جانب الأكبر إذا ما تطلّعنا بمنظار البشريّة المحضة، وغلّبنا مقولة "العين بالعين والسّن بالسّن". إنّما، إن قرأنا مستقيمًا على الخطوط المعوجّة لاكتشفنا في هذا الإبن المعاند نصفنا الثّاني، النصف الغاضب الأناني، مختبئًا وراء وداعتنا.
في هذا القسم يأخذ يسوع بيدنا كما أخذ الفرّيسيين ليضعنا أمام الإبن الأكبر. فإن افتكرنا بصوابيّة ولزوم دخوله الفرح، يتوجّب علينا نحن أيضًا الدخول في منظومة القيم الّتي على أساسها أقام الأب الفرح، مُتَخلّين عن عالمٍ حيث كلّ شيء فيه يُقاس ب " الليبرة"، ويدفع بالغرام، ويُنظر إلى الآخر من خلال نجاحه أو عدمه في الحياة؛ عن عالم ٍتسود فيه عدالة قاسية بلا رحمة وأحكام لا للحبّ فيها ولا للرأفة من مكان. إنّه عالم الأكبر، ولكنّه كان عالم الأصغر أيضًا قبل عودته إلى البيت، كلاهما مادّييَن:" أعطني، ما أعطيتني..." (آ12و29)، كلاهما لم يفقها إلى بنّوتهما بل حسِبا نفسيهما كال"أجير، والخادم" (آ19و29). ومع أنّهما أخوين أكثر ممّا يعتقدان، فقد بدت أخوّتهما ناقضة وبنوّتهما معيبة.

ما سّر هذه القصّة؟
هذا لمثل ، ألا يكشف لنا ما نحاول إخفاءه؟ ألا يضعنا أمام ذواتنا ؟ ألسنا في الكثير من الأحيان نعّدُّ أنفسنا منزّهين عن الخطأ والعيب، وأنّنا وحدنا أصحاب الحقّ وليس سوانا؟ وربّما باعتقادنا أن في الإكثار من الممارسات التقويّة وحضور الزياحات والمسيرات وتوزيع الملابس التي (بطلت موضتها)على الفقراء و...، نصبح ذوي إمتيازاتٍ عند الآب ونغدو المفضّلين لديه!؟ يا لنا من مساكين ! نحاول استرضاءه "بقطع الحلوى" تلك لأسبابٍ مصالحية، شخصيّة بعيدة كلّ البعد عن الحبّ الخالص المتجرّد، ضاربين بعرض الحائط بنّوتنا له ولهفته لعناقنا كما نحن في فقرنا وتعاستنا وجهلنا وأدراننا...
على أيّ حال، توقُّف القصّة فجأةً دون حكمٍ أو قفلةٍ نهائيّة يشوّقنا لرؤية الموضوع من ثلاث زوايا، متسائلين: "من أنا أمام لغز يسوع هذا؟"
1- هل أنا مجرّد خادمٍ (آ 27) بحياديتي وسطحية دوري، أؤدّي فقط ما يُطلب منّي أن أعمل دون أيّ تدخّل؟
2- هل أنا كالإبن الأكبر (آ 29-30) يمزّقني جرح النرجسيّة (حبّ الذّات)، ولكن، ربّما في النهاية أقبل نعمة المصالحة (" كلّ ما هو لي هو لك: آ31") وإعيد تموضعي في المكان الصيح؟ أو أرفض، وأبقى حيث كنت وكما أنا؟
3- هل أنا الأب الّذي يتلعثم لشدّة ضعفه أمام حبّه لولديه، والّذي لايريد أن يخسر أيًا منهما مهما كانت الذنوب والجراح ثخينة؟ ونظرتنا، أتشبه نظرته للفرح الّذي ما من سببٍ لوجوده سوى حياة الآخر فنسمعه يقول: "كان علينا أن نفرح...فأخاك هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوُجِد"(آ32) ؟
هذه الثلاثة هي في ميزان كلٍّ منّا الآن. من الممكن أن ننفق وقتنا وحياتنا كلّها متنقّلين بينها ثلاثتها دون أن نستطيع التموضع في المكان المناسب. لكن، ما هو أكيد، أنّ الآب قد سبق واختار الإنسان منذ الفيّ سنة لا بل منذ البدء، واختاره مخلَّصًا ووارثًا للملكوت، كائنًا من يكن:
أوليس ذاك المجرم (الشّاطر التائه الضّال) المصلوب إلى يمين يسوع كان أوّل الدّاخلين إلى المنزل الأبديّ؟ فتأمَّل وترجّى!؟

::: نوايا وصلاة شكر للقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- نصلّي من أجل الكنيسة، والمسؤولينَ فيها، خاصَّةً مار بينيديكتوس السادس عشر بابا روما ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكي، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مطراننا مع سائر الأساقفة والكهنة والمُكَرّسين على اسمك القدّوس، كَي تبقى أنظارُهم مُصَوَّبةً علَيك، فلا يَتُوهُوا بِإغراءاتِ العالم، بل يتَعزَّوا بِمُساهَمَتِهم البنَّاءة في نَشرِ كلمَتك، نسألك يا رب.
2- علِّمنا أن نُصَلِّيَ لِبَعضِنا البَعض، علِّمنا أن نطلُبَ الكمالَ للآخَرين، علِّمنا أن نفرحَ بهم عندما يكونون أقوِياء، ونفرحَ بِذاتنا عندما نبدو مرفوضينَ وضُعَفاء، نسألك يا رب.
3- أعطنا القوَّة والجُرأة أن نقومَ ونمضي إلَيك، كلَّما سَقَطنا في ضُعفِنا، كلَّما حَكَمنا على الآخَرين، أو كُلَّما كذبنا أو خُنّا ثِقَةَ الآخرين، أعطنا أن نعرِفَ آنذاك، أنَّك دَومًا تنتَظِرُنا، ودَومًا تُحِبُّنا، نسألك يا رب.
4- نَذكُرُ أمامَك مَرضى النَفسِ والجَسَد، إشفِهِم بِنِعمَتِك، واغمُرهُم بِحَنانِك، فَيَقوموا من مَوت اليأس، ويَعودوا مِنَ الضَلال، لِيَكونوا معكَ في كلِّ حين، أبناءً كما يكون البنين، نسألك يا رب.
5- طالَبَ بِحِصَّتِه مِن الميراث، ولَم يُطالِب بِحِصَّتِه مِن مَحَبَّتِك لأنَّه لم يَعلَم بِها ولَم يَتذوَّقها،أعطنا أن نتعَرَّفَ على مِقدارِ مَحَبَّتك لنا، فَنُطالِبَ بها إرثًا نَنثُرُه على الآخرين، نَتنعَّمُ به مع الآخرين، إرثًا يُغني ولا يَنضَب، نسألُك يا رب.
نذكر أمامك كلَّ مَن فارق هذه الحياة بالجَسَد، أدخِلهُ ديارَك، وأجلِسهُ على مائدتك السماويَّة، هناك، حيثُ لا بُكاء ولا ألَم ولا خَوف، بل فرح أبديّ وسعادة تامَّة، غافراً خطايانا وخطاياهم.

صلاة شكر للقدّاس

مُنذُ البدءِ أحبَبتنا، ومِن خَيراتِك أشبَعتَنا، منَحتنا كلَّ ما لَكَ وبه قلتَ كلَّ ما لَدَيك،
أفرَغتَ فيه محبَّتك، وهذه المحبَّة لَن ترتاحَ إلاّ إن جَذَبَتنا جميعُنا إلَيك،
فَكَيفَ لا نشكركَ، يا مَن تُثابِر لِتَجعَلُنا أبناء!
كَيف لا نسجُد لك، وأنتَ لا تكفَّ عن المحاوَلة عَبرَ هذا القُربان، رَمزُ تجسُّدِك وعلامةُ محبَّتك الدامغة في الحياة،
ها نحن اليومَ وكلَّ يومٍ، نشكرك ونسجد لك ونحمدك، لأنَّك دَومًا تفرحُ بنا عندما نعود، مهما طالَ الغِياب،
لك كلَّ الشكر على نعمة الربِّ يسوع المسيح، ومحبَّة الآب وشَرِكة الروح القُدُس، من الآن وإلى الأبد، آمين.

عدد القراءات: 10754