مقالات ليتورجيّة

الكاتب:

الأب رائد أبو ساحلية

المصدر:

موقع أبونا

التّاريخ:

السبت 06 أيلول 2014

طريقة إنجيلية لحل النزاعات
 إذهب و صالح أخاك ثمّ عد و قرّب قربانك
إذهب و صالح أخاك ثمّ عد و قرّب قربانك

لا بُدَّ أن تحدُث بعضُ الخِلافات والمشاكل بين الناس فهذا جزءٌ لا يتجزأ من الحياة، فالاحتكاك يُولِّدُ الحرارة، والضغط قد يُؤدي إلى الانفجار، فلا يوجد إنسانٌ كامل لا يُخطيء، فالخطأ مِنَ الإنسان ولكن الاستمرار في الخطأ من الشيطان. وكأنَ المشاكل مثل الملح أو البهارات في الطعام تُعطي طعماً للحياة. ليس المشكلة أن تحدثُ المشاكل، المشكلة أن تحدث كل يوم، وأن نُحوِّل كُلَّ كبيرةٍ وصغيرةٍ إلى مشكلة وأن تتحول إلى مشكلة كبيرة تدومُ طويلاً يَصعُب حلُّها، والمشكلة الأعوص هي أن لا نعرف أن نحلُّ المشاكل.

فإذا كان الأمر كذلك ولا بُدَّ من المشاكل، فما هو العمل حينَ حُدوثِها؟ هذا هو السؤال الذي تُحاولُ قراءاتُ اليوم أن تُجيبَ عليه وتُقدمَ حلاً له.

أما نقطة الانطلاق والقاعدة الذهبية في العلاقات الإنسانية فهي المحبة كما يقول القديس بولس: "لا يكونَنَّ عليكم لأحدٍ دينٌ إلا حبُّ بعضِكم لبعض" لا بل أنه يجعل وصية المحبة "أحبب قريبَك حبَك لنفسِك" خُلاصة الشريعة وكمالها، ويصلُ إلى النتيجةِ التالية: "فالمحبةُ لا تُنزِلُ بالقريبِ شراً". هذا هو المبدأ التي يجب أن يتمسك به كل إنسان في تعامله مع الآخرين طبقاً للقاعدة الأخرى: "افعلوا للناسِ ما أردتم أن يفعله الناس لكم".

ولكن إن حدث وأخطأ الآخر تجاهنا فما هو العمل؟ يجيب السيد المسيح في الإنجيل: "إذا خطِىءَ أخوك، فاذهب إليه وانفرد به ووبخه. فإذا سمِعَ لك، فقد ربحتَ أخاك". هذه هي الخطوة الأولى في الخطة الرباعية التي يطرحها يسوع لحل الخلافات والنزاعات. وتلاحظون أنه لا يقول: "انتظر أن يأتي أخوك ليعتذر لك أولاً ثم سامحه وبعد ذلك رد الزيارة له" لا بل العكس: بادر أنت بذلك وواجهه وجهاً لوجهٍ على انفراد ووبخه أو عاتبه "لأن العِتاب صابونُ القلب". ولم يقل يسوع أنه يجب أن نجعل من الخطأ مسألة عامة وقصة تتناقلها الألسُن مما يُعقدها ويُصَعِّب من حلها، بل يقول إذهب على انفراد أي بينك وبينه وراء الأبواب المغلقة لكي لا يتدخل أحدٌ في الخِلاف. النتيجة أنه يمكن التوصل إلى حل وبذلك تنهي المشكلة وتربح أخاك، وإلا فينتقل يسوع إلى الخطوة الثانية من الخطة:

"وإن لم يسمع لك، فخُذ معك رجلاً أو رجلين، لكي يُحكم في كل قضيةٍ بناءً على كلام شاهدين أو ثلاثة"، وهنا أيضاً يستعمل يسوع منطقاً حكيماً إذ أنه لا يطلب بأن يأخذ المرء جاهة كبيرة وتضخيم المشكلة بل حصرها على رجل أو رجلين من ذوي السمعة الطيبة والخبرة والحكمة في حل المشاكل لكي يكونوا شهوداً على الحل إذا تم أو على أسباب ومواقف الطرفين إذا لم يتم الحل. ويمكن أن نُطبق هذه الطريقة على ما يحدث في مثل هذه الحالات من تدخل أهل الخير والصلح والجاهة والوجاهة الذين يحلون المشاكل على أساس عائلي أو عشائري درءً لتفاقم الأمور والوصول إلى المحاكم. وماذا لو لم يسمع لهما؟

يعرض يسوع هنا الخطوة الثالثة: "فإن لم يسمع لهما، فاخبر الكنيسة بأمره". أي أنه بعدما يتوسط أهل الخير والحكمة يدخل رجال الدين أو ذوي السلطة الدينية والكنسية الذين يكونوا عادة من ذوي الخبرة والكفاءة في حل المشاكل بحكم التكليف الممنوح لهم من المعلم: "الحق أقول لكم: ما ربطتم في الأرض ربط في السماء وما حللتم في الأرض حل في السماء" أي أن لديهم سلطة الحل والربط والأمر والنهي وكلمتهم مسموعة لا تُردُّ إلى نحرها ولا تقعُ على الأرض، كما أن حكمهم ينبغي أن يكون مُنصِفاً عادلاً غير متحيزٍ مع طرفٍ ضد آخر، فليس لهم هدفٌ إلا إحقاقِ الحق وانصافِ المظلوم ومُصالحةِ الناس. في هذه الحالة من المفروض أو الطبيعي أن يقبل الطرف المخطىء بالحل ويتم الصلح، ولكن إذا أصر على خطئه، فما هو الحل؟

وهنا يصل يسوع إلى الخطوة الرابعة والأخيرة: "وإن لم يسمع للكنيسة أيضاً: فليكن عندك كالوثني والعشار". أي أتركه وشأنه، لأنك حاولت كل المحاولات وجربت كل الطُرق والتجارب ولم يرتدع أو يرعَوي فهو يتحملُ مسؤولية قراره ويمكنك أن تتجنبه وتنساه لا بل أن تعتبره كالوثني والعشار، وهذا موقف قوي وقاسٍ جداً، إذ أن اليهود في عقلية ذلك الزمان كانوا يحتقرون الوثنيين كما أنهم كانوا يزدرون بالعشارين ويعتبرونهم عملاء لسلطة الاحتلال الرومانية لأنهم يجبون الضرائب من الناس لصالح العدو.

الجميل في هذا التسلسل المنطقي هو أن الإنسان يجب أن لا يَحقِد ولا يُبغِض ولا يكره الآخر ولا يُحاول الانتقام منه وتدبير الشَّر له أو مخاصمته ومعاداته إذا ارتكب خطأ بحقه بل يجب أن يحاول كل طرق الحوار الآنفة الذكر للتوصل إلى الحل وإصلاح الخطأ لتعود المياه إلى مجاريها. فإذا قام بما عليه من واجب الإصلاح الأخوي فإنه يكون بريئاً من دم أخيه وهو يتحمل المسؤولية، كما يقول النبي في القراءة الأولى من نبؤة حزقيال النبي: "فإذا أنذرت المُنافق بطريقه ليتوبَ عنه، ولم يتُب عن طريقه، فهو يموتُ في إثمِهِ، لكنك تكون قد خلَّصتَ نفسَك".

ويمكن أن نُطِّورَ هذا الفكر السلامي التصالحي بفكرة اضافية مفادها: إذا فشلت في محاولتك للتصالح مع أخيك أو قريبك فمن الأفضل أن لا تحمل له في قلبِك أيَّ نيةِ سُوءٍ على الأطلاق وتُحرِّر ذاتَكَ من الحقدِ والبُغضِ والكراهية تجاهه لكي تكون مُرتاح البالِ والضمير، بل يمكن أن تؤجل الأمر وتُعيد المُحاولة فيما بعد عندما تتغير الظروف أن تسنَح الفرصة، فقد تنجح في مَسعاك الذي فشلتَ به سابقاً، وبذلك تكسبُ أخاكَ وتُخلِّصَ نفسَه وتُخلِّصَ نفسَك.

أقول هذا انطلاقاً من المبدأ الإنجيلي المعروف الذي يدعو المرء إلى المصالحة قبل أن نُقدِّم أي قربان ونرفع أية صلاة لكي تكون مقبولة مستجابة: "إذا قدَّمتَ للهيكلِ قربَانك وذكرتَ أنَّ لأخيك عليك حاجة، فاترُك قربانك واذهب وصالِح أخاك ثُمَّ عُد وقرِّب قربانك". ونرى هنا بأن المُبادرة يجب أن تكون دائماً من طرفنا سواء أكنَّا على حق أم على خطأ. فكما يقول القديس بولس: "لا تَغرُبَنَّ الشمس على غضبِكم" أي أنه يجبُ أن نُصَفيِّ حساباتنا ونُريحَ ضميرَنا قبلَ أن نَخلِدَ إلى النوم. وللأسف الشديد، فإن الكثير من المشاكل والخصومات تتحول إلى عداوات وتدوم سنوات! فما أحوجنا إلى مثل هذا التعليم في هذه الأوقات!

الأب رائـــد أبـو سـاحلية
مدير عام كاريتاس القدس

عدد القراءات: 6689