مقالات منوّعة

الكاتب:

الأب د. بسام شحاتيت

المصدر:

وكالة زينيت العالميّة

التّاريخ:

السبت 20 أيلول 2014

ثلاثة عناصر يمكنها أن تساعد على الوصول إلى الوئام بين الأديان
على كل طرف أن يتجنب المقارنة السلبية وتشويه صورة الآخر، وكذلك الإبتعاد عن المواقف الدفاعية السلبية التي تسيء للآخر وتحقره.
على كل طرف أن يتجنب المقارنة السلبية وتشويه صورة الآخر، وكذلك الإبتعاد عن المواقف الدفاعية السلبية التي تسيء للآخر وتحقره.

أولاً: المقدمة


أتقدم بالشكر في البداية للمشرفين على هذه الندوة: جامعة آل البيت التي تستضيف هذا اللقاء، ممثلة بالأستاذ الدكتور محمد السميران أستاذ الفقه، وبالدكتور علي رواحنة، عميد كلية الشريعة، وللمعهد الملكي للدراسات الدينية ممثلاً بالدكتور عامر الحافي والأستاذ الصحفي مروان سوداح.

يتميز الأردن بالتسامح بين أبناء الديانات السماوية، وبوجود فضاء واسع يقبل أنواعاً عديدة من المذاهب والتيارات. بداية لا بد من التأكيد على حسن العلاقات الإسلامية المسيحية في المملكة الأردنية الهاشمية وهي من ثوابت التي لا تقبل التغيير، بالرغم من أن الربيع العربي ضرب الكثير من البلدان العربية المحيطة، مع ما سبقه من تفشي ظاهرة الحركات الأصولية وما يرافقه من تكفير وقتل.

يبدأ الحوار في الحياة اليومية البسيطة بين الناس في المجتمع الأردني، حيث يعيش المواطن المسلم مع المواطن المسيحي في تعاون وسلام. وتطور في الوقت الحاضر ليأخذ طابع الحوار العلمي من خلال مؤسسات الأبحاث والدراسات مثل جامعة آل البيت الكريمة التي شرفتنا للمشاركة في هذا اللقاء، والمعهد الملكي للدراسات الدينية الذي يديره صاحب السمو الملكي الأمير حسن بن طلال المعظم. وقد صدر عن هذه الحوارات عدداً من والوثائق، نذكر منها على سبيل المثال: رسالة عمان، كلمة سواء.

إنطلقت فكرة الوئام بين الأديان من عمان بمباركة جلالة الملك عبد الله الثاني حفظة الله ورعاه، تتضافر فيها الجهود كافه حكومةً وشعباً. هذا الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان الذي اطلقه جلالتة من على منبر الأمم المتحدة في أيلول 2010، وتبنته الدول الأعضاء في الجمعية الأممية بالإجماع، كما وتم إقراره في 20 تشرين ثاني 2010.

علينا التأكيد أن احترام الديانات وأهلها ليس أمراً اجتهادياً ولا رأياً فقهياً ولا موقفاً سياسياً، إنما هو أمرٌ إلهيٌ مفروضٌ في المسيحية كما في الإسلام. لذلك نحن بحاجة لنشر مفاهيم السلام والحوار واحترام الآخر من أجل تعزيز نقاط الالتقاء والتوافق والتعاضد بين المسلمين والمسيحيين ومن أجل تجسيد الوحدة الوطنية الأردنية.

ثانياً: أبعاد التحدياتالثلاث

هناك ثلاثة عناصر يمكنها أن تساعد على الوصول إلى الوئام بين الأديان:

البعد الأول يتركز على علاقتي مع ذاتي، هو البعد الاساسي في أي حوار حيث أكون مع نفسي في علاقة إنسجام ووئام ومصالحة. هذا البعد الذاتي هو السلام الداخلي والراحة والوحدة والإنسجام.

أما البعد الثاني فهو العلاقة مع الآخر، أن أعيش السلام والحب مع الآخر. وأن أبادر إلى الخير، فأحب الآخر كما أَحبه الله، وفي هذا السياق يشدد الكتاب المقدس على ذلك، ويقول: "أَيُّها ٱلأَحِبّاءُ، إِن قالَ أَحَدٌ: «إِنّي أُحِبُّ ٱللهَ» وَهُوَ يُبغِضُ أَخاهُ فَهُوَ كاذِب. لِأَنَّ مَن لا يُحِبُّ أَخاهُ ٱلَّذي يَراهُ، كَيفَ يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ ٱللهَ ٱلَّذي لا يَراه؟ " (رسالة القديس يوحنا الأولى 4: 20 ).

والبعد الثالث علاقتي مع الله، هو أن أعمل مع الله ولاجله وبإسمه، فعلاقتي مع الله هي التي تقوي ثقتي بنفسي وبالآخرين، وهي أساس كل شيء. يمنحني الله السلام والسكينة ويساعدني على الحوار، وإذا أبتعدت عنه أعيش في صراعٍ مع الآخر.

ثالثاً: تحديات العيش المشترك في العالم العربي

أن التحديات التي تواجه المواطن العربي المسيحي والمسلم في الأردن والوطن العربي متشابة في معظم الأمور، فالمشاكل والصعوبات لا تفرق بين هذا وذاك. أبرز التحديات التي تواجه العيش المشترك:

1- نمو الحركات الأصولية حيث يزداد الفهم والتطبيق الخاطئ للدين.

2- إشاعة الخوف في المجتمع يؤدي إلى خلق علاقات متوترة بين سائر الأطياف.

3- التبشير والتحول إلى المسيحية أوالدعوة إلى الإسلام وإلارتداد عن المسيحية يؤديان إلى حدوث مشاكل طائفية في المجتمع.

4- إنتشار الأفكار السلبية بين الجماعات المتعصبة كفكرة الجهاد وتكفيرالمسيحي وتخيريه بين إعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو ترك البلد أو الموت.

5- فرض الجماعات والأحزاب الدينية فكرة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة بالقوة.

6- إعتداد الإنسان بنفسه وأنانيته، يتسببان في زرع الخصام والحقد والكراهية.

7- إن التفرقة والإختلاف يفسدان الوئام والمحبة ويسببان الحروب، ومن هنا يجب أن يكون التنوع عنصر وحدة وتفاهم. إن مبدأ الوحدة في التنوع هو مصدر إثراء في المجتمع العربي حيث يعيش المسلم والمسيحي معاً.

8- إن المسيحيين في الشرق هم مكون أساسي، ولا يجوز أن يطلق عليهم كلمة "أقلية" لأنهم سكان البلاد الأصليين. قد صدر في أوروبا عدة كتب تحلل التناقص التدريجي في عدد المسيحيين في الشرق الأوسط وخاصة خلال فترة الحروب. بالرغم من أن معظم هذه الدراسات تتنبأ عن نقصان لا بل إندثار وموت المسيحيين في بعض الدول العربية، إلا أن إيماننا المسيحي بالرجاء يؤكد أنه بعد كل صليب وموت ستشرق شمس القيامة والحياة، فإن المسيحية لن تندثر من الشرق.

9- من بين أسباب تناقص عدد المسيحيين هو الهجرة في سبيل تحصيل لقمة العيش.

10- إن التحدي الذي يواجه الشباب المسلم والمسيحي على السواء هو إيجاد الوظيفة. ويجب التنويه إلى السلبية في التعيين حيث أن بعض الشركات تعطي أفضلية في توضيف مقدم الطلب للشخص الذي ينتمي إلى نفس دينه، وفي بعض الدول العربية تقتصر بعض المناصب العليا للمسلمين دون غيرهم.

رابعاً: بعض الإفكار والحلول لمواجهة التحديات

1- على كل طرف أن يتجنب المقارنة السلبية وتشويه صورة الآخر، وكذلك الإبتعاد عن المواقف الدفاعية السلبية التي تسيء للآخر وتحقره.

2- تشكل الأسرة من الناحية التربوية النواة الأساسية للتربية والأخلاق، لذلك فمن الضروري أن تشمل التربية في الأسرة على مبادىء الحوار وقبول الآخر.

3- تضع الديانة المسيحية نصب أعيننا والغفران المسامحة كوسيلة هامة للوصول إلى المصالحة والوئام، حيث أن السيد المسيح له المجد ركز على الغفران ليس سبع مرات بل سبعين مرة سبع مرات (متى ١٨: ٢١-٢٢).

4- يتلخص تعليم الكتاب المقدس في أن المحبة أقوى من الموت: "لأن المحبة قوية كالموت الغيرة قاسية كالهاوية لهيبها لهيب نار لظى الرب" ( نشيد الأنشاد 8: 6 ). نتذكر هنا قصة المطران سليم غزال والطلاب في مدرسة دار العناية المهنية في جنوب لبنان، كيف ساهم في تحول عقلية الشباب الذين يتقاتلون ويعتبرون الآخر عدواً لهم، إلى رفاق في صف واحد يحبون بعضهم البعض.

5- أهميةالعلاقات الطيبة والمعاملة الحسنة والبسمة في بناء مجتمع متناغم ومتماسك، نستذكر هنا قول الرسول الكريم: "تبسمك في وجه أخيك صدقة جارية". لذلك على المرجعيات الدينية والسلطات الروحية حث المؤمنين على احترام اتباع الديانات الأخرى ونشر الاعتدال والتسامح.

6- التركيز في التعليم الديني على الآيات القرآنية والإنجيلية التي تدعو للسلام والتقارب وخاصة في هذه الأيام التي يتكاثر فيها الفكر الذي يدعو للقتل والحرب.

7- إن مبدأ المواطنة والتساوي بين مختلف المواطنين، وعدم التميز بينهم بسبب الدين أو اللون أو الجنس هو الضمانة لكي تسود العدالة ويعم السلام. ففي الدستور الأردني المواطنون كلهم متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون.

8- علينا الإبتعاد عن العنف اللفظي مثل نعت الآخر بالكافر أو الإعتقاد أنه عندما يقتل الآخر يفعل فعلاً جميلاً لله ويدخل الجنة ويكسب السعادة في الحياة الأبدية.

9- من المبادئ الأساسية في اليوم الآخير، يوم الدينونة أن الله سيدين الإنسان على مقدار المحبة الأخوية تجاه أخيه الإنسان. فقد ورد في الحديث القدسيَّ الشريف: "إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، فقال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؛ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي".

نجد في الإنجيل المقدس نصاً شبيهاً بذلك: "ثم يقول ايضا للذين عن اليسار اذهبوا عني يا ملاعين الى النار الابدية المعدة لابليس وملائكته. لاني جعت فلم تطعموني.عطشت فلم تسقوني. كنت غريبا فلم تاووني. عريانا فلم تكسوني. مريضا ومحبوسا فلم تزوروني. حينئذ يجيبونه هم ايضا قائلين يا رب متى رايناك جائعا او عطشانا او غريبا او عريانا او مريضا او محبوسا ولم نخدمك. فيجيبهم قائلا الحق اقول لكم بما انكم لم تفعلوه باحد هؤلاء الاصاغر فبي لم تفعلوا". (متى 24 : 41-45 ).

خلاصة القول هو أن حب الله مرتبط ومتلازم مع حب القريب، وهو الطريق المؤدي إلى الخلاص.

10- على المرجعيات الدينية عدم تسيّس الدين، وعلى السياسيين عدم تديّن السياسة. ويمكن تطبيق ذلك على أرض الواقع من خلال الدولة المدنية المعاصرة التي تحترم الكرامة البشرية لكل إنسان.

خامساً: الخاتمة:

لكي نعيش في سلام ووئام لا بد من التركيز على ثوابت العلاقات الحسنة بين المسلمين والمسيحيين في بلدنا الحبيب الاردن.

وفي ظل الظروف التي نيعشها اليوم وظهور الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، فمن الثوابت أن تقوم الدولة بواجبها بحماية كل المواطنين دون تمييز. في هذا السياق يذكر القرآن الكريم: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا" (الحج ٤۰)، كما يقول الرسول الكريم: "ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة" ( أبو داود ۳⁄١٧۰). ولقد عاهد رسول الله نصارى نجران في وثيقة قال فيها: "ولنجران وحاشيتها ذمة الله وذمة رسوله على دمائهم وأموالهم وملّتهم وبيتهم ورهبانيتهم وأساقفتهم وشاهدهم وغائبهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير" (الأموال ٢⁄١۰۳).

وفي الختام، الدعوة ملحة اليوم إلى أن يتم إحترام الجميع ونشر مبادىء المساواة والحرية وصون الكرامة البشرية. نطلب من الله أن تنتهي فترة الصراع والإقتتال والحرب، وأن يعم الوئام والسلام في بلادنا.

الأب الدكتور بسام شحاتيت

مطرانية الروم الكاثوليك

عمان في تاريخ 13-2-2014

*** أقيمت ندوة التحديات المعاصرة والوئام بين أتباع الأديان بتاريخ 13-2-2014 ، ضمن فعاليات الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان. تحدث فيها الدكتور عبد الرحمن أبداح، الأمين المساعد في وزارة الأوقاف، حول السياق التاريخي للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في صدر الإسلام، والأب الدكتور بسام شحاتيت، النائب العام لمطران الروم الكاثوليك، حول النظرة المسيحية للتحديات المعاصرة والوئام بين أتباع الأديان، والدكتور علي رواحنة، عميد كلية الشريعة في جامعة آل البيت، حول الإسلام و التحديات المعاصرة للوئام بين أتباع الأديان. وأدار الندوة والحوار والنقاش فيها الدكتور عامر الحافي، نائب مدير المعهد الملكي للدراسات الدينية. وقد أقيمت هذة الندوة في جامعة آل البيت بالمفرق.

عدد القراءات: 2618