مقالات منوّعة

الكاتب:

الأب د. بيتر مدروس

المصدر:

موقع أبونا

التّاريخ:

السبت 13 شباط 2016

اللقاء والإخاء بدل الجفاء والعداء
فرنسيس: أخي، أخي. نحن أخوة، وأخيراً!.... كيريل: الآن، أصبحت الأمور أسهل
فرنسيس: أخي، أخي. نحن أخوة، وأخيراً!.... كيريل: الآن، أصبحت الأمور أسهل

سبقت الكنيسة الكاثوليكيّة سنة 1961 بقيادة أبيها الروحاني الموهوب يوحنا الثالث والعشرين "باب الطّيبة" ثورة التطوير والتحديث التي حمل رايتها بعد ثماني سنوات، وخصوصًا بشكل سلبيّ مدمّر، الفيلسوف الفرنسي اليهودي هربير ماركوز والطالب الجامعي دانييل كوهين بنديت (ولا تخفى يهوديته من اسمه). وبسبب ضعف الذاكرة عند البشر بل بسبب تشويه الحقائق أو إغفالها، ظلّ معظم الناس ولا سيّما في الغرب يتخيّل الكنيسة رمزًا للتزمّت والتّعصّب والتّخلّف. وقد نسي القوم أو تناسوا أو جهلوا أنها هي الرائدة الريادية في التقدم والتطور والتحدث والإصلاح الداخلي، كما كانت في سابق عهدها حاملة للعلم والأدب والفن بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية. وفي العصر الوسيط بقيت الكنيسة الكاثوليكية تحمي أهل العلم والأدب والمواهب وتموّلهم (كما فعل البابوات ولا سيّما من أسرة "ميديتشي"). وفي الشّأن المسكوني أيضًا، كانت الكنيسة الكاثوليكية هي الرائدة بفضل القديس البابا المذكور يوحنا الثالث والعشرين والمجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني. وتوالت الوثائق المجمعيّة، لأول مرّة في تاريخ الأديان والطوائف المسيحية: "في عصرنا" للحوار مع سائر الأديان الموحّدة اي مع المسلمين (الفقرة الثالثة) واليهود (الفقرة الرابعة) و "إعادة الوحدة" في نظرة إيجابية سبّاقة ملؤها الوئام للكنائس والطوائف الأخرى المسيحيّة.

الحركة المسكونيّة: تقارب تاريخيّ بين المسيحيّين

يذكر كبار السنّ بيننا أنّ الكاثوليكية التي كانت تقترن بأرثوذكسي كانت تُرشَق بالحرمان وتُقرَع على روحها – قبل وفاتها- أجراس الحزن! واليوم يتمّ الزّواج المقدس معترفًا به بين الكنيستين، ويقف غالبًا الكاهن الكاثوليكيّ بقرب شقيقه الارثوذكسي مباركين مهنّئين! والزّواج ليس فقط اساس الاسرة بل ميزان الحرارة بين الأديان والكنائس.

ويجدر بعارف التاريخ ألاّ يُغفل أنّ "الانشقاق" بين الكاثوليك والأرثوذكس ما أتى اساسًا لاسباب عقائديّة انضمّت لاحقًا بعد جفاء وعداء، بل لاسباب إدارية ووطنيّة تتلخّص في النزاع الإداريّ على هويّة خليفة القديس بطرس أول الرسل : أهو بابا روما (حيث استشهد الرسول) ، أم القسطنطينية بيزنطة كرسي مار اندراوس شقيقه ومقرّ "البطريرك المسكوني للروم الأرثوكس،أم إنطاكية (حيث كان مار بطرس اسقفًا، ويرى بطريرك السريان الأرثوذكس ذاته خليفة له) أو الإسكندريّة حيث بشّر مار مرقس "ترجمان بطرس" وابنه الروحانيّ، وحيث بطريرك الأقباط الارثوذكس. أمّا الأرمن فهم كنيسة وطنيّة لحقت إنطاكية والإسكندرية في مجمع خلقيدونية سنة 451 م. ونشأت حركات الاحتجاج على الكنيسة الكاثوليكية في المانيا على يد الراهب مارتين لوثير سنة 1520. وما اقتصر الاحتجاج على سلطة الكنيسة بل أكّد أن الكتاب المقدس هو المرجع الوحيد وأنه يحقّ لكل إنسان تفسيره، بخلاف شروط بطرس الرسول انه يجب شرح الكلمة الموحى بها، وذلك لا تفسيرًا فرديًّا بل بالعلم والرسوخ (عن 2 بطرس 1 : 20، ثم 3 : 16) وفي قلب الكنيسة "عمود الحقّ وركنه" (تيموثاوس الأولى 3 : 15).

التقدّم المذهل بين الأمس واليوم في اللقاء المسكونيّ

يضيق المقام هنا لتعداد خطوات التقارب. وحسبنا أن نشكر العزّة الإلهيّة على اللقاء التاريخيّ الأخويّ المؤثّر الماثور بين قداسة البابا فرنسيس والبطريرك الارثوذكسي البيزنطيّ الروسي كيريل، وذلك لأوّل مرّة على الإطلاق في تاريخ الكنيستين، وبالذات في هافانا عاصمة كوبا – وهي دولة كرهت الكنيسة وأقصتها عن الحياة العامّة لعقود. وما نسينا زيارات البطريركين برتلماوس من اسطنبول وتاوضروس من الإسكندرية وسواهما لحاضرة الفاتيكان والحوار الأخويّ والمودّة الخالصة والاحترام المتبادل.

التّقدّم في الحوار والوئام مع إخوتنا اللوثريين والأنكليكان

من آفات مناهج التاريخ في مدارسنا في ديار العرب أنها بقيت مسمّرة على سلبيّات الماضي بين المسيحيّين. وعندما أتت إلى السّتينات من القرن الماضي لم تشر إلى التقارب المسكونيّ بين المسيحيين ولا الحوار مع المسلمين. وسبقنا الغرب، هذه المرّة أيضًا، بخطوات حثيثة للتقارب. ويذكر المرء في الثمانينات من القرن المنصرم أحد المؤتمرات المسكونيّة الكثيرة في قبرص. ونزل إلى المكتبة التي عُرضت فيها كتب للاقتناء في أثناء المؤتمر أحد الكهنة الكاثويك المشاركين. ورأى فيها مجلّدًا ضخمًا يطعن بالكنيسة الكاثوليكية. واقترح الكاهن المشار إليه، من باب العدل وإحقاق الحقّ وروح الحقيقة والمحبّة، كتابًا صغيرًا يقابله، من تأليف الأب العبقري الفرنسيسكانيّ اسطفان سالم، رحمه الله. ورفض القائمون العلمانيّون "المسكونيون" الكتاب المدافع عن الكنيسة في حين نشروا المؤلّف الذي يطعنها، وقد تعوّدوا على فكرة استضعاف الكثلكة التي امتنعت حتّى عن الدفاع عن حقيقة تاريخها وصدق عقيدتها. وهكذا ما اكتفى خلق كثير بالطعن بها، بل توهّموا أنّ "الحركة المسكونية" (وهي التقارب بين المسيحيين ولا سيّما المعترف بهم) تعني السماح بالقدح بالكنيسة الكاثوليكية وطبعًا منعها من انتقاد غيرها، حتّى لو كانت على حقّ. وبعد إصرار الكاهن على تبيان الحقّ التّاريخيّ والصّواب العقائديّ، بكل محبّة ووقار، قرّر القائمون حذف الكتابين لا حرصًا منهم على عدالة، بقدر عدم رغبتهم في أن توضح الحقيقة الدينية والتاريخيّة في شأن الكنيسة الكاثوليكيّة. والحمد لله تحسّنت العلاقات كثيرًا في أثناء المؤتمر وتلت نشاطات مسكونيّة من التقارب والمودّة لا تقع تحت حصر خصوصًا مع الكنيسة الأرثوذكسيّة الشّقيقة. وشهدت المقدّسات في فلسطين تحسّنًا عميقًا مأثورًا بين الكنيستين الحارستين لأقدس مقدّسات المسيحيّة أي الكاثوليكية والأرثوذكسيّة في كنائس المهد والقيامة وقبر السيّدة مريم منها السلام.

وأذكر أن الداعي اقترح بثلاث عشرة نقطة على مركز الطنطور المسكونيّ، في قسمه العربيّ، أن تؤسس مجلّة لاهوتية راعوية مسكونية تجمع مقالات من كلّ الأطياف المسيحيّة في فلسطين، بعيدًا عن الأخبار الشّخصيّة عن رؤساء الكنائس ووجهائها. فقُبلت الفكرة ونشأت مجلّة "اللقاء" التي زيد عليها لاحقًا التقارب مع العالم الإسلاميّ.

واليوم، بعد خمسمائة سنة تقريبًا من احتجاج الراهب الالماني مارتن لوثير على سلطة الكنيسة (وقد سبقه في الاعتراض على ما يسمّى خطأ "غفرانات" السويسري أولريش زوينغلي)، يتوجّه قداسة البابا فرنسيس شخصيًّا إلى السويد ضيفًا على الاتحاد اللوثري العالميّ، لا تأييدًا لأفكار لوثير السلبيّة بل لدفن ماض أليم من العداوة والجفاء. وصدق الأمين العامّ للاتحاد اللوثري، مارتين يونغ، إذ قال: "إنّ زيارة قداسة البابا تدفع فينا الأمل ليس فقط لتخطّي سلبيات الماضي بل لتقارب حقيقيّ ملموس في العقيدة والتقاليد". ومعروف أنّ عنصرين جديدين ابعدا الكنيسة الكاثوليكية واللوثريين والأنجليكان هما سماحهم في الغرب- بخلاف الكثلثكة- بكهنوت نسائي (غير موجود في الكتاب المقدس) وبما دُعي "زواج مثليين".

وهكذا، تمّت مدة خمسين سنة ونيّف حركات مودّة وتفاهم أنتجت، على سبيل المثال لا الحصر، وثيقة كاثوليكية لوثرية مشتركة عن "التبرير بالإيمان".

سرّ التّقارب ولغز المصالحة!

أعلنه المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني: إنه "توبة القلوب". نسيان الماضي ليس واردًا بل كما قال البابا القديس يوحنا بولس الثاني: "تنقية الذاكرة" – التي لا تعني محوها. الإقرار بالأخطاء . كان أرسطو قد كتب: "الإنسان كائن ناطق"، وبإمكاننا أن نزيد : "الإنسان كائن نادم، كائن خجول، كائن مفكّر" يرى أنّ اليوم ليس مثل أمس. وقد قال سموّ الشّيخ محمّد بن راشد: "لا يمكن التّعبير للمستقبل بأدوات الماضي".

التّقارب والتّعايش مع العالم الإسلاميّ

هنا أيضًا يكتفي المرء بنقاط منيرة على طريقنا معًا : اجتماع مرّاكش حيث التأم مؤخّرًا نحو ثلاثمئة علم من أعلام الفكر الإسلاميّ وناقشوا بمودّة "حقوق الأقليّات في العالم الإسلاميّ". والخطوة تاريخيّة تشمل ليس فقط الجاليات الأجنبية المسيحية بل ايضًا المسيحيين العرب المحليين الذين ليسوا "أقليّة" بمعنى الأعاجم وإن كان عددهم قليلاً. وقد يقول قائل: "وماذا استفدنا بعد خراب البصرة؟" اي الموصل وحلب وسواهما؟ استفدنا أنّ "الأفكار تقود العالم"، فحرب الافكار أعلى شأنًا من حرب الأسلحة والمودّة في الخواطر والمشاعر أقوى من القنابل. استفدنا أنّ الخلف الصالح للسلف الكريم يريد في إطار المواطنة والمعاملة الجيّدة عيشًا لكلّ الناس شريفًا هادئا، "حياة وادعة مطمئنة بكل تقوى وكرامة". ويقدر المرء لحاكم دولة الإمارات العربيّة المتّحدة تحديث سموّه لمنصب "وزير الدولة للتّسامح" ويرجو المرء وزارة كهذه في دول أخرى، وخصوصًا تلك التي تمزّقها الحروب الأهلية من طائفية وحزبيّة تدمّر كياننا وثقافتنا وحضارتنا وتراثنا وتديننا في محكمة التاريخ.

خاتمة

قال السيّد المسيح في أتباعه: "ليكونوا بأجمعهم واحدًا". وأعلن البابا بندكتوس السادس عشر : "إنّ الحوار مع العالم الإسلاميّ ضرورة وليس من الكماليّات". وها نحن في الوطن العربيّ الكبير نجد وئامًا بيننا في معظم الأقطار، والحمد لله الذي لو شاء لجعلنا "أمّة واحدة" ، وصراعًا مريرًا مبكيًا مأساويًّا في بلاد أخرى لا يخلو من تدخل أجنبيّ أو دافع سياسي أو اقتصاديّ ولكن مع الاسف لا تغيب عنه أحيانًا النزعة الطّائفيّة. وبعد الصلاة إلى العليّ القدير أن يعيد إلينا، على علاتنا، أن نكون للعالم هذا الشرق المشرق إيمانًا وتقوى، علينا العمل، كلّ حسب مقدرته، على التعاون والتعايش والتجانس. وفي هذا الموضوع، تخيفنا كلمات غبطة البطريرك يوسف أغناطيوس يونان بطريرك السريان الكاثوليك : "المسيحية في الشرق الأوسط إلى زوال". وهذا يعني انهيار الاصل التاريخي الإنساني الثقافي الحضاري لهذا الشرق الذي أضاءه لسبعة قرون "هدى الإنجيل ونوره". أمّا بطريرك الكلدان المنسينور لويس رافائيل الأول ساكو فقد قال: "لا نريد كلامًا ووعودًا بل أفعالاً". بزوال مسيحيي العرب تفقد العروبة كل صلة وداد لها بالغرب وجسرًا من المحبة والتبادل الإنساني الوجداني. وببقاء المسيحيّة المحلية "تحت الخيمة العربيّة" يتجلّى التّسامح لأقرب الناس مودّة في أوطان أعطت العالم الحياة ووجدت الموت، قدّمت البناء وألحقت بها "القوى العظمى" الدّمار، نقلت هدى الدين والأخلاق وحاربتها كيانات ملحدة مارقة. يا ليتنا بنعمة الله نحافظ على ما تبقّى لدينا من أوطان فيزيد فينا تعالى الصبر والإيمان "ونولي جميع الناس محبّة صادقة" فيشرق شرقنا من جديد، وقد أفهمنا المعمورة أنّ "رأس الحكمة مخافة الله" وأنه "ماذا ينفع الإسنان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟".

عدد القراءات: 2090