مقالات منوّعة

الكاتب:

اندريا تورنيلي، ترجمة: منير بيوك

المصدر:

موقع أبونا

التّاريخ:

الأحد 21 شباط 2016

المكسيك: خمسة مشاهد من رحلة واحدة
البابا فرنسيس في مزار سيدة غوادالوبي
البابا فرنسيس في مزار سيدة غوادالوبي

إنه ينظر إلى مريم، سيدة غوادالوبي، ويسمح لها بالنظر إليه. إنه ينحني أمام الشعب الذي تحمله المرأة في رحمها، والتي تهتم بهم جميعاً، خصوصاً أولئك الذين يعانون في الجسد والروح، وأولئك ضحايا الفقر والعنف. لقد استخرج من الكتاب المقدس قوة النبوة ليتعرف على كيفية مواجهة الاستغلال، والاتجار بالمخدرات، وهيمنة السلطة، واللامبالاة تجاه محنة المهاجرين والاستعمار الذي تفرضه نماذج جديدة للأسرة. كانت ذروة زيارة البابا فرنسيس إلى المكسيك بالفعل في اللحظة التي صلى فيها في سيوداد خواريز على الحدود التي يحلم العديد في عبورها حيث فقد الكثير حياتهم أثناء الرغبة بتحقيق ذلك.

في صميم العقيدة

قال البابا فرنسيس في وقت سابق أن زيارته إلى المكسيك كانت قبل كل شيء فرصة له لأن يصلي أمام صورة سيدة غوادالوبي. إنها الصورة التي يزورها عشرون مليون زائر كل عام. إنها منزل الأمومة، والمسكن، "والبيت الصغير" لكل مكسيكي. هذا هو المكان الذي توقف فيه فرنسيس، أول بابا للكنيسة الكاثوليكية من أمريكا اللاتينية، لفترة للصلاة، لينظر إليها مباشرة وليتمكن من التحدث إليها كما يتحدث الإبن مع أمه. صورة البابا في الغرفة الصغيرة، حيث يتمكن الزوار البقاء للتأمل بالقرب من اللوحة التي تشكلت في ظروف غامضة حول الرداء المتواضع الذي ارتداه المكسيكي الأصلي خوان دييغو، هي صورة رحلة. فبالإمكان نقل الإيمان من خلال العيون حيث إنها تتعلق بالرؤية وباللمس. وقع بصر مريم على البابا الذي يدرك الرائحة التي لا لبس فيها لشعب الله المقدس. فمن صميم تلك النظرة، إنه يقتبس قوة الحب التي يشعر بها نحو هذا الشعب البائس. إنه الجرح الواجب لمسه إذا أراد أحد لمس "جسد المسيح".

الأساقفة الرعاة، ليسوا مسؤولين أو أعضاء من النخبة

كان الخطاب الذي ألقاه إلى زملائه الأساقفة أثناء زيارته هو الأكثر الذي تنفطر له القلوب والأكثر شخصياً. ففي حين كان تحت تأثير أنظار سيدة غوادالوبي، أم الشعب المكسيكي، تمكن من دعوة رعاة الكنيسة المكسيكية إلى ذلك "الاهتداء الرعوي" الذي يقع في جوهر بابويته. إنها ليست الاتفاقيات مع الشعب القوي أو الدعم الحكومي، أو المساعدة المالية من الكاثوليك ذوي النفوذ التي تمنح الكنيسة منعتها. فلا يضمن ذلك "النوادي" أو "الزمر". "ففي النظر إلى وجوهكم، يكون للشعب المكسيكي الحق أن يشهد علامات أولئك ’الذين رأوا الرب‘ (يوحنا 20: 25)، وأولئك الذين كانوا مع الله. وهذا أمر ضروري. الكنيسة القادرة على منح المأوى لوجوه الرجال والنساء الذين يطرقون أبوابها هي فقط القادرة على التحدث إليهم عن الله. وإذا لم نكن على علم بكيفية فك معاناتهم، واذا كنا نفهم احتياجاتهم، فلا يمكننا أن نقدم لهم شيئاً. إن ثراءنا يفيض فقط عندما نواجه صغر أولئك الذين يتسولون ويتم اللقاء بهم في قلوبنا، وقلوب الرعاة".

العناق مع الأنديوسيين المكسيكيين

أوضحت باقي الزيارة وأكدتها هاتين الصورتين الأولويتين. اليوم الجميل الذي تم قضاؤه في تشياباس، سان كريستوبال دي لاس كازاس، إضافة إلى توكستلا جوتيريز يشهد تقارب فرنسيس مع الشعوب الأصلية. فهو لم يقدم لهم الإعتذار عن كل المعاناة التي لحقت به في الماضي وما زالت تصيبهم فحسب، إنما أكد أيضاً قيمة هذه الثقافات في يوم وفي عصر عندما يتم استغلال الأرض بوحشية كما يتم الإستغناء عن كبار السن.

هذا هو المعيار الأعلى "لخلاص النفوس"، الذي جعل البابا يوافق على سيامات لشمامسة دائمين في أبرشية سان كريستوبال دي لاس كاساس بعد حظر دام أربعة عشر عاماً، فضلاً عن السماح باستخدام بعض اللغات الرئيسية في كتب الصلوات الطقسية. لقد اختارت سيدة غوادالوبي أن تكشف عن ذاتها لرجل متواضع من السكان الأصليين، تاركة إياه مع الصورة المريمية الأكثر تكريماً في العالم.

أصدقاء، وليس قتلة

على ملعب موريليا، تحدث فرنسيس مع الشباب. إنهم ثروة المكسيك الحقيقية. تحدث عن الصداقة مع يسوع الذي "يدعونا أصدقاء ولن يطلب منا أن نكون قتلة، ولن يرسلنا أبداً إلى الموت". شكراً له، فبفضله نستطيع "أن نبدأ من جديد. يداً بيد معه نجد القوة لنقول: إنها في الحقية كذبة أن نعتقد بأن الطريقة الوحيدة للعيش، أو للحفاظ على ريعان الشباب، هو أن نعهد أنفسنا إلى تجار المخدرات أو إلى سواهم الذين لا يقدمون شيئاً سوى نشر الدمار والموت. نستطيع أن نقول عندما نكون يداً بيد مع يسوع المسيح: إنها كذبة في القول أن الطريقة الوحيدة للعيش كشبان تكمن في الفقر وفي الإقصاء".

النظر عبر الحدود

كانت نظرة البابا عبر حدود الولايات المتحدة مع المكسيك، آخر نظرة عميقه في زيارته. لا يريد البابا لعب دور السياسي، كما أنه لا يتعامل مع قوانين الهجرة. ففي عينيه، لا يتم وصف مأساة الهجرة بالأرقام والإحصاءات والشخصيات، والنفقات. فحقيقة هذه المأساة هي قصص النساء، والأطفال، والرجال، وكبار السن الذين يعانون من ذلك. قصص وحياة تتحول إلى دخان على الحدود، وفي الكثير من الحدود. فصورة البابا على تلك المنصة المرتفعة التي يعلوها الصليب الأسود، على بعد أمتار قليلة من نهر برافو، وسلسلة من الأسوار التي تفصل بين سيوداد خواريز ومنطقة الباسو، إحدى المناطق التي فيها أكبر تواجد عسكري في العالم، تمثل شهادة ونداء، لا تشير فحسب إلى جسد المهاجرين الذين يقعون ضحية لتجار البشر في المكسيك والولايات المتحدة، وإنما إلى الإقتراحات المضخمة لمرشح البيت الأبيض دونالد ترامب، الذي يقترح بناء جدار مع المكسيك وترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين. فنداء البابا وشهادته تنطبق أيضاً على أوروبا التي تواجه أزمة في القيم التي تأسست عليها، كما هو الحال مع مرجعيته الذاتية، والقومية والقادة "كثيرو الكلام وقليلو الأفعال"، والمسيحية التي حولها إلى أيديولوجية أولئك الذين يحلمون أو الذين بالفعل أقروا بناء جدران جديدة، متناسين أن ابن الله هو أيضاً لاجئ مهاجر".

عدد القراءات: 2830