مقالات روحيّة

الكاتب:

الأب رائـد أبو ساحلية

المصدر:

موقع أبونا

التّاريخ:

السبت 27 شباط 2016

الأحد الثالث من الزمن الأربعيني: دعوة إلى التّوبة
بما أن الانسان لا يعرف متى سيموت وكيف سيموت ولماذا سيموت فعليه أن يكون مستعداً للموت في حالة النعمة
بما أن الانسان لا يعرف متى سيموت وكيف سيموت ولماذا سيموت فعليه أن يكون مستعداً للموت في حالة النعمة

في الأحد الثالث من الزمن الأربعيني يريد يسوع أن يهيئ قلوب المؤمنين الى التوبة ويعطيهم فرصة للخلاص بحيث يغيروا سلوكهم وحياتهم ويعطوا ثمراً جديراً بالتوبة. كما أنه يريد أن يغير لا بل يحارب العقلية بأن الله يُنزل العقاب بالإنسان لأنه ارتكب خطيئة فهو يستحق العقاب لأنه لو لم يكن خاطئا لما حل به الشر.

من هنا يمكن أن نفهم المثلين اللذين اعطاهما يسوع عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دماءهم بذبائحهم، والثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم، ومن هنا نفهم سؤالي يسوع المتتاليين: «أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هَذَا؟ أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلاَءِ كَانُوا مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ؟ وكأنه يقول بأنهم ليسوا أكثر خطيئة من غيرهم، فالمهم بالنسبة له ما أجابه مرتين متتاليتين: "كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ».

وهنا نستنتج: أن لكل نتيجة سبب، فموت الجليليين سببه أن بيلاطس قتلهم وموت اهل سلوان أن البرج وقع عليهم وليس بالضرورة أنهم كانوا حطأة لا بل يمكن أن يكونوا أبرياء ولكنهم ماتوا ظلماً، كما هو الحال فيما يحدث في العراق وسوريا وفلسطين فهل كل هؤلاء الناس خطأة أم أنهم مظلومون. والسبب ليس قدر الله علهم بل ظلم البشر لهم.

والنتيجة الثانية بما أن الانسان لا يعرف متى سيموت وكيف سيموت ولماذا سيموت فعليه أن يكون مستعداً للموت في حالة النعمة لكيلا يأتيه الموت غفلة ويكون في حالة الخطيئة، وهذا ما يقوله عن التوبة أي الرجوع عن الخطيئة والرجوع الى الله. كأن الله يعطينا فرصة للتوبة ويقول لنا: لا تؤجل التوبة، لا تؤجل عمل اليوم الى الغد، أو لا تقل إن الوقت مبكر ولا متأخر.. اليوم اليوم وليس غداً.

أما المثل الأخير في انجيل اليوم عن التينة المغروسة في الكرم ولا تعطي ثمراً منذ ثلاث سنين، فإن الموقف البشري يقول بأنه من الأفضل أن تُقطع بدلاً من أن تعطل الارض، ولكن المنطق الالهي يقول بأن يتركها ويعتني بها أي يعطيها فرضة للثمر وان لم تعطي ثمراً تُقطع. وهنا نجد كل عوامل امكانية النجاح والتغيير للأحسن: الوقت فمدة السنة كافية لكي يحصل التبديل والتعديل؛ الحراثة حولها فالارض الصلبة تصبح طرية تسمع للماء والغذاء ونور الشمس بالتغلغل والجذور بتغذية الشجرة؛ وضع الزبل أو السماد وهو الغذاء الضروري للنمو، عندها لا بدَّ من الثمر والا يذهب التعب هباء منثوراً "وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا».

ومن هنا نفهم بأن الله يتعامل معنا باللطف والحنية واللين ولكنه بنفس الوقت بالقسوة والوعيد والتهديد لأنه يريد مصلحتنا، فمن جهة يعتني بنا ولا يبخل علينا بشيء لأنه يحبنا ويريد بأن نثمر ثمرا جيدا ، ولكن من جهة اخرى فانه اذا لم نتجاوب مع محبته ونعمته فالذنب ذنبنا فلا نلومنَ الا أنفسنا لأننا نكون قد أضعنا الفرصة الذهبية التي أعطيت لنا للتحسن والتقدم والنجاح والثمر. إنه يعطينا فرصة للتوبة والثمر فهو يُمهِل ولكنه بنفس الوقت لا يٌهمِل لأنه سيعاقب ويحاسب.

ان كل هذا يقودنا الى الاستنتاجات التالية:

إن الله يريد أن جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يُقبِلون، فهنا الخلاص معناه قبول الفداء والا يكون مصيرنا الهلاك أي رفضنا الفداء، أي أن الله عمل كل ما عليه والباقي على الإنسان أن يتجاوب مع نعمة الفداء وهذا التجاوب حر وليس اجباري كما يقول القديس أوغسطينوس: إن الله خلقنا دون أن يستشيرنا ولكن لا يستطيع أن يُخلصنا إلا بإرادتنا. وهذا دليل اضافي على الحرية الشخصية، فالله يحترم حريتنا لدرجة بأنه يسمح بأن نختار طريق الهلاك رغم أنه لا يريد هذا لنا ويفضل لو أننا نغير ونبدل ونعدل من تصرفاتنا وسلوكنا وحياتنا.

اننا لا نؤمن بالقضاء والقدر بمعنى ان الله كان قدَر وقرَّر بأننا سنهلك، ولكن الله بسابق علمه يعرف بأننا قد نختار طريق الهلاك ولكن لأنه يحترم حريتنا يسمح لنا بذلك ولكنه لا يريد ذلك لنا وهو يحاول جاهدا بأن نرتدع ونتغير لذلك يعطينا كل النعم والمناسبات ووسائل الخلاص لنخلص ولكننا مع ذلك نستهتر بمحبته ونهدر كل هذه النعم والفرص لأننا نُصر على الخطأ والخطيئة.

وأخيراً: إن الله رحمان رحيم طويل الأناة وكثيرُ الرحمة بمعنى أنه يصبر علينا رغم ضعفنا وعنادنا فهو يتحين الفرص لكي يقودنا الى الطريق القويم. بمعنى آخر ان الله "عقله كبير وقلبه واسع" ان جاز التعبير، فهو لا يقف للإنسان على "الدكرة" كما نقول وكأنه ينتظر بأن نقع حتى يوقع علينا اشد العقاب ويحاسبنا شر حساب، فصحيح أنه عادل ولكنه رحيم، وقد أقول بأن رحمته قد تفوق عدله اذا جاز التعبير، وبكلام البابا فرنسيس: إن الله لا يمل من الرحمة. أقول هذا حتى لا يفقد المرء الثقة برحمة الله الواسعة وخاصة عندما يرتكب الخطأ، فإن الخطأ من الانسان ولكن الاصرار عليه فمن الشيطان، وإن الله يحب الخاطئ ويكره الخطيئة.

الأب رائـد أبو ساحلية
مدير عام كاريتاس القدس

عدد القراءات: 2618